حسان الزين

غزة والضفة الغربية عند الكاتب الإسرائيلي إيلان بابيه: أكبر سجن على الأرض

18 دقيقة للقراءة
يربط إيلان بابيه بين البحث العلمي وخلاصاته والموقف القيمي والسياسي والشخصي

يكتسب كتاب «أكبر سجن على الأرض» (ترجمة أدونيس سالم، عن «نوفل») أهمية بالتزامن مع الحرب في غزة. ويستحضر معه تجربة مؤلفه إيلان بابيه Ilan Pappe وتيار «المؤرّخين الجدد» في إسرائيل. وقد تقصّى فيه بابيه، الصوت الأعلى في ذاك التيار، سياسات إسرائيل في الأراضي التي احتلّتها إبان حرب 1967. وإذ يعود إلى الأيام الأولى للاحتلال، يتوقف عند المعضلة التي واجهت تل أبيب: كيف تتعامل مع تلك الأراضي التي لم تفلح بضمّها في 1948، خصوصاً أن هناك سكاناً فلسطينيين؟ ويرصد المؤرخ ولادة صيغة الاحتلال وجعل قطاع غزة والضفة الغربية سجناً، وسكانهما سجناء، ويتحرّى ممارسات القيادة الإسرائيلية التي أنتجت انتفاضتين، وجعلت «عملية السلام طرحاً فاشلاً».



بعدما ركّز تيار «المؤرّخين الجدد» جهده على مرحلة تأسيس دولة إسرائيل (1948)، جاء كتاب «أكبر سجن على الأرض: سردية جديدة لتاريخ الأراضي المحتلة» (The Biggest Prison on Earth: A History of the Occupied Territories)، ليبحث مرحلة ما بعد حرب 1967. وكما استندت الأبحاث المتخصصة بالمرحلة الأولى إلى محفوظات كُشفت عنها السرية (بعد ثلاثين سنة من تأسيس دولة إسرائيل 1978)، كذلك فعل بابيه (مواليد 1954)، مضيفاً إلى تلك المحفوظات مصادر أخرى، سياسية وإعلامية. وعلى الرغم من ذلك يجد بابيه صلة ما بين 1948 و1967. وهو أن حرب 1967، التي بادرت إليها إسرائيل و»كان يمكن تجنّبها» على عكس السردية الإسرائيلية الرسمية، هي لتحقيق ما لم تتمكن إسرائيل من الحصول عليه في 1948.

ويشير بابيه إلى أن «تقلب الوضع وهشاشته» في مصر وسوريا والعراق ولبنان، «لفت انتباه إسرائيل إلى حدودها الشرقية». وإذ اعتبر صانعو القرار أن ثمة صعوبة في غزو سوريا ولبنان، راودهم احتلال الضفة الغربية وغزة في سياق «التدرّب على إسرائيل الكبرى». وهنا، يروي بابيه بالاستناد إلى «أرشيف دولة إسرائيل، الاجتماعات الحكومية»، تفاصيل تصعيد القيادة السياسية والعسكرية الإسرائيلية الوضع على الحدود، وكيف صِيغت «أسطورة الضربة الاستباقية» للجيوش العربية.





بعد ذلك، يضيء على «إبتداع السجن الكبير»، كاتباً: «كان على الحكومة الإسرائيلية الإجابة في الأسبوع الأول الذي تلا الاحتلال عن أربعة أسئلة جوهرية تتعلق بمستقبل الـ20 في المئة المتبقّية من الأراضي الفلسطينية، التي أصبحت خاضعة لها، بعد أن فشلت في احتلالها سنة 1948. السؤال الأول كان: ما مصير هذه الأراضي؟ هل تحتفظ إسرائيل بها أم تختار البقاء فيها لفترة زمنية مؤقتة، بانتظار إبرام اتفاقية سياسية مع الأردن، الدولة ذات السيادة على الضفة الغربية قبل الاحتلال، ومع مصر، الدولة التي كانت تحكم قطاع غزة قبل احتلاله؟ وبما أن قرار الاحتفاظ بالأراضي كان الرد على السؤال الأول، فقد نوقش مقترناً بالسؤال الثاني: ما هو مصير السكان في الضفة الغربية وقطاع غزة؟ ولمّا كان الجواب تجنّب الطرد الجماعي، فقد ناقش صانعو القرار السياسي مختلف الطرق الممكنة لحكم السكان من دون طردهم، أو منحهم الجنسية. وقد جرى التمييز في وقت مبكر بين المناطق التي ستقع تحت الحكم الإسرائيلي المباشر، وتلك التي ستوضع تحت المراقبة غير المباشرة. وبالتالي، كان الحل المطروح تقسيم فلسطين مرة ثانية، وهو التكتيك المفضّل دائماً لدى الحركة الصهيونية في كل ما يخصّ فلسطين. وهكذا جرى تقسيم الضفة الغربية وقطاع غزة إلى مساحة يهودية وأخرى فلسطينية».


إرث حزب العمل وبصمات شارون

ويوضح أن تجنب التطهير العرقي «كان تشريع عملية طرد جماعي على غرار ما حدث سنة 1948... وكان القرار يختلف بحسب رغبة المساجين: فإن كانوا يريدون الرحيل، يُمنعون من ذلك، وإن كانوا يريدون البقاء، يُهدَّدون بالطرد». وفي هذا السياق يستعرض الكتاب جملة من الضغوط التي مارستها إسرائيل على سكان الضفة والقطاع لكي «يقبلوا بأن لا رأي لهم على الإطلاق بتقرير مستقبلهم، وأنهم في حال رفضوا هذه الظروف الجديدة، سيجدون أنفسهم داخل سجن مشدد الحراسة. أما إذا قرّروا التعاون، فيمكنهم الاستمتاع بالعيش في سجن مفتوح يديرونه بأنفسهم».

أما السؤال الثالث فيتعلق «بكيفية تسويق هذه الفكرة السخية، التي تقضي بإنشاء سجن مفتوح بحكم ذاتي، على أنها اقتراح للسلام». والسؤال الرابع هو «كيف يمكن تسويق هذا الواقع الجديد للشعب اليهودي، هو الذي لم يكن، أقلّه في تلك المرحلة، مقتنعاً بجدوى الاحتلال كاستراتيجية طويلة الأمد؟».

ويعرّي بابيه العقد الأول من تاريخ الاحتلال، الممتد من 1967 حتى 1977 (إرث حزب العمل)، الذي يُصوَّر في «عدد من المنشورات الإسرائيلية، بصورة العقد المستنير، أي سنوات عشر من فرص السلام والتقدم للفلسطينيين». ويرى أنه «لو أمعنّا النظر لاكتشفنا واقعاً مختلفاً، قائماً على ترسيخ حكم أحادي أبقى سكان الأراضي المحتلة محتجزين في سجن لمدى الحياة، هم وأولادهم وأحفادهم. ومنذ اليوم الأول من ذلك العقد، كانت حياتهم خاضعة لبيروقراطية (يسميها في مكان لاحق بيروقراطية الشر) رأت فيهم تهديداً محتملاً واعتبرتهم مصدر خطر، ما لم يخضعوا كليّاً لنزواتها ومطالبها».

بعد «إرث حزب العمل» هذا، يتحرى بابيه سياسة اليمين: من رفض مناحيم بيغن إعادة الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حزيران 1967 (باستثناء سيناء التي أعادتها اتفاقية كامب ديفيد إلى مصر)، إلى «بصمات» إرييل شارون التي حولت تلك الأراضي إلى «السجن الكبير». ويبيّن بابيه أن ذاك الإرث وتلك السياسات والبصمات هي السبب الرئيس لـ»انهيار نموذج السجن المفتوح». ويستنتج أنه في ظل واقع إنساني واقتصادي واجتماعي وأمني قاسٍ على سكان الأراضي المحتلة، ومع تداعيات اجتياح لبنان في صيف 1982 وإبعاد المقاتلين الفلسطينيين، فُتح «الطريق نحو الانتفاضة» (1987) التي تشكل عند بابيه «نموذج السجن المفتوح».



بِني موريس ناقض الرواية الإسرائيلية الرسمية التي تنفي طرد الفلسطينيين



أسطورة السلام: تمثيلية أوسلو

ثم يصل بابيه إلى تفكيك أسطورة السلام (تمثيلية أوسلو)، في الجهة الإسرائيلية. ويعتبر أن «أسباب التحول في الموقف الإسرائيلي التي مكّنت من إجراء مفاوضات مباشرة مع منظمة التحرير عديدة. أول تلك الأسباب كان فوز حزب العمل في انتخابات 1992 (للمرة الأولى منذ 1977) وتشكيل حكومة كانت أكثر اهتماماً من الحكومات السابقة بقيادة الليكود بإيجاد حلٍّ سياسي... والسبب الثاني كان المخاوف الإسرائيلية من مؤتمر مدريد للسلام، وهو مشروع أميركي لدفع إسرائيل والفلسطينيين وسائر دول العالم العربي للاتفاق على حل بعد حرب الخليج الأولى».

والأسطورتان المقترنتان باتفاقية أوسلو، بالنسبة إلى بابيه، هما: إنها كانت عملية سلام صادقة؛ وإن ياسر عرفات تعمّد تخريبها بتحريضه على الانتفاضة الثانية (2000) بصفتها عملية إرهابية كبرى ضد إسرائيل».

لا يشكك بابيه في رغبات الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي، بل إن الأسطورة الأولى، في نظره، «نشأت من رغبة كلا الطرفين في بداية عملية أوسلو 1992 في الوصول إلى حل». لكن، «حين مُنيت العملية بالفشل، سارع كل منهما إلى إلقاء اللوم على الطرف الآخر». وبمعزل عن الروايات الفلسطينية والإسرائيلية في هذا الشأن، يرى بابيه أن «الحقيقة أكثر تعقيداً. فشروط المفاوضات كانت مستحيلة التحقيق. والادعاء أن عرفات رفض احترام التعهّدات الفلسطينية التي تضمّنها اتفاق 1993 غير دقيق. فلم يكن باستطاعة عرفات أن ينفّذ تعهّدات مستحيلة. فعلى سبيل المثال، طُلب من السلطات الفلسطينية أن تقوم بدور مقاول أمني من الباطن لحساب إسرائيل بداخل الأراضي المحتلة وتضمن عدم حدوث أي نشاط مقاوم. وبصورة ضمنيّة أكثر، كان مطلوباً من عرفات أن يقبل بدون مناقشة التفسير الإسرائيلي للتسوية النهائية المنبثقة من هذا الاتفاق. فقد طرح الإسرائيليون تلك التسوية بمثابة أمر واقع على رئيس منظمة التحرير صيف 2000 في قمة كامب ديفيد، حيث كان القائد الفلسطيني يشارك في مفاوضات التسوية النهائية مع رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود باراك والرئيس (الأميركي بيل) كلينتون. وطالب باراك بدولة فلسطينية منزوعة السلاح، تكون عاصمتها قرية تقع قرب القدس تُسمّى أبو ديس ولا تشمل أجزاء من الضفة الغربية كغور الأردن، أو الكتل الاستيطانية اليهودية الكبيرة أو مناطق في القدس الكبرى. كما أن تلك الدولة المستقبلية لن تكون لها وفق المنظور الإسرائيلي سياسة اقتصادية وخارجية مستقلة، بل ستتمتع بحكم ذاتي في بعض الجوانب المحلية فقط، كإدارة النظام التربوي وجباية الضرائب والبلديات والشرطة وصيانة البنية التحتية».

وفي خصوص الأسطورة الثانية المتعلّقة بعملية أوسلو، وهي أن تصلّب عرفات سبّب انهيار قمة كامب ديفيد سنة 2000، يرى بابيه أنه «يجب الإجابة عن سؤالين. الأول، ماذا حدث صيف سنة 2000 في كامب ديفيد- من المسؤول عن فشل تلك القمة؟ والثاني، من المسؤول عن العنف في الانتفاضة الثانية؟».

وفي سبيل الرد على السؤالين، يستند بابيه إلى «تقرير موثوق ومفصّل وصادق للغاية حول ما حصل في كامب ديفيد، أعدّه حسين آغا وروبرت مالي، من وزارة الخارجية الأميركية. وقد نُشر تقريرهما المفصل في نيويورك ريفيو أوف بوكس، ويبدأه الكاتبان بنفي الادعاء الإسرائيلي أن عرفات قد نسف القمة. توضح المقالة أن مشكلة عرفات الرئيسية لدى وصوله إلى القمة كانت أن حياة الفلسطينيين في الأراضي المحتلة ساءت بعد أوسلو. قدّم عرفات اقتراحاً شديد العقلانية، بحسب هذين المسؤولين الأميركيين، وهو أنه، وبدلاً من الاستعجال لوضع حد نهائي للصراع خلال أسبوعين، على إسرائيل أن توافق على بعض الإجراءات التي تعيد ثقة الفلسطينيين بفوائد ومنافع عملية السلام. للمناسبة، لم تكن فترة الأسبوعين مطلباً إسرائيلياً، بل إطاراً زمنياً غبياً أصرّ عليه الرئيس كلينتون المتطلّع إلى ترك إرث سياسي خاص به».

وفيما لم يُستجب لاقتراح عرفات، يقول بابيه في معرض إجابته عن السؤال الثاني في صدد العنف في الانتفاضة الثانية، إن «جيش الدفاع الإسرائيلي كان يمر صيف سنة 2000 بحالة إحباط إثر الهزيمة المذلّة التي ألحقها به «حزب الله»، الذي أجبر الجيش على الانسحاب بشكل كامل من لبنان. فتولّد خوف من تأثير هذا الانسحاب على صورة الجيش بحيث يبدو ضعيفاً، ونشأت حاجة ماسّة إلى استعراض للقوّة». ويخلص بابيه إلى أن «عملية السلام كانت طرحاً فاشلاً من البداية».



الأكاديمي آفي شلايم في مقدمة تيار «المؤرخين الجدد»



التطهير العرقي والخرافات وإنتاج المعرفة

وهناك مؤلّفات أخرى لبابيه، أبرزها «التطهير العرقي في فلسطين» (The Ethnic Cleansing of Palestine، ترجمة أحمد خليفة، عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»). ويتجاوز بابيه في هذا العمل زميليه بِني موريس (Benny Morris) وآفي شلايم (Avi Shlaim). فبابيه ربط أكثر ما بين البحث العلمي وخلاصاته وبين الموقف القيمي والسياسي والشخصي. أي أنه لا يعتبر المهمة تتوقف عند حدود البحث الأكاديمي حتى لو كان معارضاً للسردية والإيديولوجيا الرسميتين، إنما يجب أن تُقرن بالاعتراف القيمي والسياسي. لهذا، لا يكتفي بالتأريخ للممارسات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، بل يبني على ذلك دعوة يوجهها إلى العالم للاعتراف بهذه المأساة. ولا يسمي الارتكابات بحق الفلسطينيين «تطهيراً عرقياً» فحسب، إنما يسمّي الأرض فلسطين. وهذا بقدر ما هو تاريخي وتأريخي هو موقف من مؤرّخ وناشط من أجل سلام لا ينكر النكبة والتطهير العرقي، ولا يقوم في ظل الاحتلال و»إسرائيل القلعة».

ومن المؤلّفات الشهيرة لبابيه، «عشر خرافات عن إسرائيل» (ترجمة سارة ح. عبد الحليم، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»). ويتصدى بابيه في هذا الكتاب لثوابت في الخطاب الإسرائيلي، وهي في قسمين، الأول «مغالطات الماضي»، ويضم: فلسطين كانت أرضاً خالية، اليهود كانوا شعباً بلا أرض، الصهيونية هي اليهودية، الصهيونية ليست حركة استعمارية، الفلسطينيون غادروا وطنهم طوعاً عام 1948. أما القسم الثاني فيضم «مغالطات الحاضر»، وهي: إسرائيل هي الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط، خرافات (اتفاقية) أوسلو (بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية)، وخرافات غزة. وفي «نظرة إلى المستقبل»، يرى بابيه في الكتاب، أن «حل الدولتين هو السبيل الوحيد للمضي قدماً».

ويتابع بابيه مشروعه في كتاب «فكرة إسرائيل: تاريخ السلطة والمعرفة» (ترجمة محمد زيدان، عن «المؤسسة العربية للدراسات والنشر»). وتكمن خصوصية هذا الكتاب في أنه يبحث في «فكرة إسرائيل» وليس في الدولة التي يعتبر بابيه أن «تقييمها أخلاقياً وسياسياً ليس أمراً ممكناً وحسب، بل إنه قد بات أمراً ملحّاً أكثر من أي وقت مضى».

وفيما يلاحظ بابيه أن فكرة إسرائيل باتت «مدار شك»، و»يذهب البعض إلى أنه يعارض إيديولوجياً الدولة»، يجد أن» بعض اليهود الإسرائيليين يعلنون أنهم يحاربون من أجل بقاء النموذج المثالي للدولة». وفيما لا ينشغل الكاتب في «أسباب النظرة السلبية»، يتوقف عند استعداد المقتنعين «بشكل مطلق بالشرعية الأخلاقية... لاتهام أي انتقاد بأنه شكّل من أشكال العداء للسامية».

ومع غياب «الروح الرياضية» يشير إلى تراجع حركة «ما بعد الصهيونية» وتيار «المؤرّخين الجدد». وكأن في هذا إقراراً بانتصار السلطة وإيديولوجيّتها وسرديتها على «عمليات إنتاج المعرفة وتحليلها» التي يسميها «لحظة ما بعد الصهيونية»، وقد باشرها أكاديميون وأثرت خصوصاً في السينما والتلفزيون.

«حـركة خطيرة» فكّكت أساطير... وجرّت غضباً

فيما يدعم مُنجز «المؤرّخين الجدد» جبهة العداء للكيان الصهيوني والاحتلال، يقدم مادة تأريخية وسياسية تضيء من الداخل على الأيديولوجيا الرسمية السائدة، وعلى «تاريخ دولة إسرائيل» (لا تتناول ما قبل ذلك) وسياستها، حرباً وتفاوضاً. ولم يقتصر جهد هذه المجموعة، التي يقف في مقدّمها إيلان بابيه وآفي شلايم وبِني موريس، على إعادة النظر في التاريخ والتأريخ الإسرائيليين، بل فتحت الباب لحركة «ما بعد الصهيونية» التي تناقش «فكرة إسرائيل» وليس «الدولة» (تطبيق الفكرة) فحسب. ولكل هذه الأسباب، اعتُبرت هذه الحركة «خطيرة». وقد هاجر رموزها تحت الضغوط.

«خطيئة إسرائيل الأصلية» لدومينيك فيدال في مقدّمة الكتب المرشّحة للتعريف بظاهرة «المؤرّخين الجدد» في إسرائيل. والجميل فيه أنه يجمع ما بين سرد أحداث سنوات قيام دولة إسرائيل، وتلخيص حصيلة الأبحاث الحديثة لهؤلاء المؤرّخين، التي واجهت السردية الرسمية خصوصاً في شأن: ظروف قيام الدولة، الممارسات السياسية والعسكرية للحركة الصهيونية، الأرض لم تكن خالية وقد جرى تهجير السكان الفلسطينيين وارتكاب مجازر بحقّهم، والأداء السلبي للقيادة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين والعرب، بما في ذلك القادة المستعدون للسلام، وايديولوجية ذلك الأداء وغاياته ونتائجه. وفيما سعى المؤرّخون الجدد إلى تفكيك السردية الرسمية و»خرافاتها» وفق تعبير بابيه، وضعوا الحركة الصهيونية تحت مبضع السؤال إذا ما كانت حركة وطنية أم استعمارية.

وبهذا الجمع بين البعدين الحكائي والبحثي يقدّم المؤلّف نصّاً حيويّاً محتشداً بالسجال بين السردية الرسمية والوجهة الجديدة النقدية المشككة. وقد حافظت ترجمة الروائي اللبناني جبّور الدويهي على تلك الحيوية، في عبارة منسابة ومخلصة للمعنى (صدر عن «مؤسسة الدراسات الفلسطينية»).

ومن أجل تلك الحيوية ووضع القارئ في الحدث، يبدأ الكتاب بقصّة «اللحظة التاريخية» العالمية التي جرى فيها الانتقال من الإبادة الهتلرية لستة ملايين يهودي إلى تقسيم فلسطين.

بعد ذلك، ينتقل النص إلى أرض الحدث. والأسطورة الإسرائيلية الأولى التي يلقي الضوء على تفكيكها من جانب المؤرّخين الجديد، هي أن حجم القوات الفلسطينية، ثم العربية، كانت أكبر وأقوى من المنظمات الصهيونية. وعلى الرغم من ذلك، وفق السردية الإسرائيلية الرسمية، قاتلت هذه الأخيرة وانتصرت. وما يكشفه هذا الفصل (داود في مواجهة جوليات)، بناء على أبحاث المؤرّخين الجدد، هو العكس، أي «التفوق المتنامي للقوات الإسرائيلية على صعيد العديد والتسلح والتدريب والتنسيق والحوافز». وينقل فيدال عن موريس وكتابه «1948 وما بعدها» (1948 and After) أنه «خلال المرحلة الأولى من الحرب... كان اليهود، في معظم المعارك الحاسمة، أكثر عدداً من خصومهم وأفضل تسليحاً وتدريباً». لكن، كما يلاحظ فيدال، كان المؤرّخون القدامى «يركزون» على الفترات التي «كان فيها وضع القوات الإسرائيلية صعباً ومهدداً لا بل ميؤوساً منه»، وذلك لغايات إيديولوجية وكي تستقيم السردية الصهيونية.

عمليات تزوير وقصف وقائي

وعلى النحو ذاته، يتوجّه الكتاب إلى «خطيئة إسرائيل الأصلية»، أي طرد الفلسطينيين وإخفاء ذلك ونفيه. وفي معرض نفي هذه الأسطورة الإسرائيلية، وهي الثانية، يحتفي فيدال بـ»غوص موريس عميقاً في التاريخ متفحّصاً بكل دقة الوثائق التي تؤكد روايته». ورواية موريس، في كتابه (The Birth of the Palestinian Refugee Problem)، تؤكد حصول «هجرة السكان العرب في خمس موجات» (ترجمه إلى العربية عماد عواد، وصدر ضمن سلسلة «عالم المعرفة» الكويتية في 2013، تحت عنوان «مولد مشكلة اللاجئين الفلسطينيين»).

بناءً على ذلك، يقول فيدال: «نحن إذاً في صلب إحدى عمليات التزوير الرئيسية في تاريخ هذه المأساة. ففي سنة 1961 أعلن دافيد بن غوريون أمام الكنيست: بدأ رحيل العرب من إسرائيل فوراً بعد قرار الأمم المتحدة (التقسيم)... وفي حيازتنا وثائق صريحة تشهد على أنهم غادروا فلسطين بناء على تعليمات من الزعماء العرب، وعلى رأسهم المفتي، وعلى أساس الفرضية القائلة إن هجوم الجيوش العربية... سيقضي على الدولة العبرية ويرمي اليهود جميعاً في البحر».

ويسأل فيدال: «هل هناك فعلاً وثائق صريحة؟». ويجيب: «يؤكد موريس أن الزعماء العرب لم يوجّهوا، في أية لحظة من الحرب، نداءً عاماً إلى عرب فلسطين كي يغادروا منازلهم وقراهم ويتوجّهوا نحو المنفى. ولم تقم أية حملة في الإذاعات أو في الصحف العربية تطلب من الفلسطينيين الفرار. في الحقيقة إنني لم أقع على أي أثر لمثل هذه الحملة، ولو أنها حدثت، أو لو كان هناك خطط من هذا النوع لكانت وردت أو على الأقل تركت أثراً في المحفوظات».

وينتقل فيدال من نفي السردية الإسرائيلية طرد الفلسطينيين إلى نفيها المجازر بحقّهم. فالمجازر، وفق فيدال، نتيجة «نزعة القادة العسكريين المحليين إلى إعطاء دفعة للفلسطينيين كي يلوذوا بالفرار، (وقد) ازدادت اطراداً باطراد الحرب». وفيما يخصص فيدال صفحات لمجزرة دير ياسين بوصفها «الاستثناء والقاعدة»، لا ينسى المجازر في الدوايمة وعيلبون والجش وصفصاف ومجد الكروم وحولا (في لبنان) وصلحة وسعسع واللد. وعلى الرغم من غياب كتاب «التطهير العرقي في فلسطين» لبابيه عن هذا الفصل، إلا أن المقارنة بينهما تحضر. ففي حين يهتم فيدال بالإضاءة على «غايات المجازر»، يهتم بابيه بالعرض التأريخي وبالمعيار الأخلاقي والذي يعتبرها «تطهيراً عرقياً».

الأسطورة الثالثة التي يتطرق إليها فيدال هي أن القادة العرب هم من رفض السلام مع إسرائيل. وقد فبركت القيادة الإسرائيلية هذه الأسطورة غير الحقيقية وفق فيدال، لتبرير مساعيها إلى التوسّع والنفوذ واستمرار ترحيل العرب (يركز على دور بن غوريون). وإذ يروي كيف «فضلت (القيادة الإسرائيلية) الأردنيين للتوصل إلى سلام منفصل»، يتوصل بالاستناد إلى أبحاث المؤرخين الجدد ولا سيما بابيه في كتابه «نشوء الصراع العربي – الإسرائيلي 1947 – 1951»، إلى أن «إسرائيل هي العامل المعوّق».

تعريف وشهادة

ويعرّف عبد الوهاب المسيري «المؤرّخين الجدد» بالآتي: «مجموعة من المؤرّخين الإسرائيليين الذين أخذوا في الظهور منذ الثمانينات وبدأوا مراجعة الرواية الأكاديمية الإسرائيلية للصراع العربي الصهيوني، وبخاصّة حرب 1948 التي جرى صوغها ضمن إطار إيديولوجي صهيوني يعيد ترتيب الوقائع، واستبعاد ما لا يروق الصهاينة. فالرواية الإسرائيلية الصهيونية لوقائع حرب 1948 وما بعدها تحاول بقدر الإمكان عدم ذكر الفلسطينيين.

وقد أظهر المؤرّخون الجدد أن العالم العربي لم يكن قوة عسكرية مخيفة، بل كان مفككاً، يتكوّن من دول متخلّفة، بعض حكّامها متواطئ مع الصهاينة، وجيوشها سيئة التدريب وقدراتها القتالية شديدة التدني. كل هذا يؤدي إلى نزع البطولة عن اليهود، بل يبيّن هؤلاء المؤرّخون الجدد أن إسرائيل دولة متعنّتة، ترفض السلام» («موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية»، عن «دار الشروق»).

ويقدّم بابيه شهادة في تجربة «المؤرّخين الجدد» الذين «لم يكونوا مجرّد مراقبين»، ويكتب في «فكرة إسرائيل»: «كانوا جزءاً من ممارسات نقدية عالميّة أغرتهم باعتماد منهجية أكثر نسبوية عند دراسة علمَي التاريخ والإجتماع والإيديولوجيا الوطنية لدولة إسرائيل. كما استفاد آخرون منهم من حقل الدراسات ما بعد الكولونيالية كوسيلة للنظر في الإضطهاد الثقافي ومحاولات التصدّي لذلك في المجتمع اليهودي الإسرائيلي، في حين فضّل آخرون تناول الصهيونية وإسرائيل والنضال ضدّهما كحالة كولونيالية صرفة. وبغض النظر عن المنهجية المتّبعة لدى كلٍّ منهم، إلا أنّهم فعلوا ذلك متحمّلين موجة غضب عارمة ضدّهم من قِبل الزملاء والأقارب ومن ثم الدولة، وذلك لرفضهم قبول تلك النظرة السائدة عن الصهيونية كحركة تحرر وطني تتّسم بالعدل وتلتزم بالديمقراطية، على الرغم من أنهم تكبّدوا كثيراً جرّاء ذاك الغضب».