وسط الحرب، وتحديداً المشتعلة في غزة هذه الأيّام، ثمة عنصران بارزان يؤثّران في اختيار القنوات التي يتابعها المشاهد العربي. العنصر الأول هو الموقف السياسي أو الميل الشخصي للمشاهد، فيتابع القنوات، أو القناة، المناسبة لذلك. والعنصر الثاني هو قصد القناة المعنية بهذا الخبر، والانتقال إلى قناة أخرى معنية بخبر آخر. كأن يذهب المشاهد إلى قناة "المنار" أو قناة "الميادين" لمتابعة ما يحدث على الحدود الجنوبية للبنان، أو يضغط على زر الريموت كونترول الذي يأخذه إلى قناة "الجزيرة" أو قناة "العربية"، مثلاً، لمتابعة ما يجري في غزة ومحيطها، أو في تل أبيب والقدس.
لكن، وعلى الرغم من قوّة هذين العنصرين المؤثّرين، ثمة مساحة شاغرة يمكن أن يشغلها مراسل هنا ومراسلة هناك، يقدّم أو تقدّم أداءً مهنيّاً ذا صدقية ويحظى بثقة المشاهد. وهذا تحدٍّ مهني تزجّ به الحربُ والأحداث الضخمة المراسلين والمراسلات، فيخضعون لامتحان قاسٍ في ظروف حرجة وصاخبة ودموية.
ينطبق هذا، الآن، على العديد من المراسلين والمراسلات العرب، إلّا أن في مقدّمهم عدداً من مراسلي ومراسلات قناة "الجزيرة". ولذلك أسباب عدة، بعضها سياسي يتعلّق بالقناة وتوجّهاتها وتوجيهاتها، وبعضها مهني يتعلّق بالقناة وقدراتها، لكن، في الوقت نفسه للمراسلين والمراسلات دوراً رئيساً فيه.
فالقناة التي لا تُخفى مناصرتها حركة "حماس"، في هذه الحرب وقبلها، تحفظ هامشاً مع إسرائيل ولها. وهذا الهامش مهني أكثر ممّا هو سياسي في ظل التوتر بين القناة وتل أبيب بعد قتل الجيش الإسرائيلي المراسلة شيرين أبو عاقلة (أيار 2022). وهو مهني نسبياً التزاماً من القناة بالمعايير والقواعد. وهذا ما يدفع "الجزيرة"، التي لها فريق من المراسلين والمراسلات في "الداخل"، إلى استضافة متحدّثين باسم إسرائيل ومؤسساتها السياسية والعسكرية أو متخصّصين منها. وعلى الرغم من الانحياز الواضح لمقدّمي نشرات الأخبار والبثّ المباشر إلى فلسطين وشعبها وقضيتها، تسعى القناة إلى أن يُغلّف ذلك بلغة وشكل "مهنيين".
مقابل هذا، هناك المراسلون والمراسلات على الأرض. وهؤلاء في امتحان الظروف القاسية والكفاءة والخبرة المهنيتين. واللافت، ههنا، أن مراسلي ومراسلات "الجزيرة" قد راكموا من هاتين ما هو كثير. وذلك بسبب القدرات الكبيرة للقناة، وبفعل خوضهم تجارب عدة في غير بلد حول العالم، وآخرها في أوكرانيا، لكنّ الأهم أن للمراسلين والمراسلات ومؤهلاتهم وأدائهم كلمة فاصلة في الأمر. وإذا كان وليد العمري وجيفارا البديري والياس كرّام ووائل الدحدوح قد تجاوزوا هذا الاختبار في أحداث سابقة، فإنّ مازن إبراهيم وإيهاب العقدي وكارمن جوخدار (أصيبت بجروح أمس الجمعة جراء استهداف الجيش الإسرائيلي مجموعة من الإعلاميين، وقتل أثناء ذلك المصور عصام العبد الله) وجوني طنوس، ومعهم نجوان سمري، يقدّمون أداءً لافتاً. فهؤلاء لا يواكبون آخر الأخبار فحسب، بل وهم في الميدان يتقصّون المعلومات ويدقّقون فيها، ويتواصلون مع المعنيين، ويضعون ذلك في السياق الأمني والسياسي الواسع. وإضافة إلى هذا، يقدّمون مادة إخبارية وسياسية غنية بالمكوّنات ومهنية.