36240

الإصابات

347

الوفيات

16089

المتعافون

رفيق خوري

مغامرة الإنقاذ بالإنهيار من دون "بسمارك لبناني"

20 أيار 2020

10 : 26

تعددت السيناريوات والعجز واحد: سلطة كاريكاتورية حائرة، ومعارضة عبثية محيّرة، في هاوية أزمة مصيرية. وقمة العجز رهان السكارى بجنون السلطة على "قوة القابلية للعطب" حسب نظرية برين براون لدفع الكبار الى إنقاذ لبنان من دون إصلاحات حقيقية. وقمة اللامسؤولية في مواجهة العزلة العربية واللامبالاة الدولية هي الدعوة الى مخرج من العزلة المحدودة بالانضمام الى العزلة الشاملة لمحور "الممانعة". وهي ايضاً الخلط بخبث بين سيناريوات الانقاذ وسيناريوات الانهيار. فلا سيناريوات الانقاذ واحدة، ولا سيناريوات الانهيار واحدة. ولا وظيفة كل سيناريو واحدة. ولا احد يعرف اين وكيف تنتهي عملياً المخططات النظرية التي بدأت لاعادة هيكلة النظام اللبناني والنظام الاقليمي.

لكن المؤكد ان موقع لبنان تضاءل كثيراً في الحسابات الجيوسياسية للغرب الاميركي والاوروبي بمقدار ما زادت اهميته في الحسابات الايرانية. خلال احداث 1958 وبعيد الثورة على النظام الملكي في العراق، قال الرئيس ايزنهاور لمساعديه: "نتدخل في لبنان او نخرج من الشرق الاوسط". اليوم لا تنظر واشنطن الى لبنان الا من خلال ما تسميه "خطر "حزب الله". ولا شيء يتقدم في طهران قائدة محور "الممانعة" على معادلة قوامها: نبقى عسكرياً في سوريا او نخرج من لبنان والعراق واليمن.

والمفارقة ان النيوليبراليين في الغرب والثيوقراطيين في ايران وأجنحتها الاقليمية يلتقون على العمل بنظرية ماوتسي تونغ الشيوعي: "الامور يجب ان تسوء أكثر كي تصبح أفضل". لا بل يجربون استراتيجية مستشار المانيا الحديدي بسمارك في ضرورة "هز الستاتيكو". ولا يبدل في الامر ان ينطبق على الرهانات المثل الفرنسي القائل: "حلمان في سرير واحد". اذ يراهن الغرب في سيناريو الانهيار على اضعاف محور "الممانعة" ويراهن هذا المحور على تقوية موقعه وإضعاف الغرب. لكن اللعبة أشد تعقيداً.

ذلك ان ظروف الطرفين ليست ظروف ماوتسي تونغ و"المسيرة الطويلة" في الصين حتى انتصار الثورة عام 1949. وما ينقص كلاً منهما هو "بسمارك لبناني". لماذا؟ لان بسمارك كان يمارس استراتيجية "هز الستاتيكو". وهو يعرف سلفاً اين تقع القطع المتطايرة من النظام وكيف يعيد تركيبها وترتيبها. اما المراهنون على الانهيار في لبنان، فانهم لا يعرفون اين وكيف تقع القطع المتطايرة. ومن يتصور انه الطرف القوي القادر على الامساك بكل شيء، سيكتشف انه ضعيف في مواجهة إعصار أقوى منه.

ولا مجال بالطبع للبقاء في ستاتيكو الأزمة المصيرية في لبنان. وليس أخطر من لعبة الإنقاذ بالاحتيال سوى مغامرة الإنقاذ بالإنهيار.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.