يشنّ الجيش الإسرائيلي حربه السابعة على قطاع غزة منذ 2008، التي يتوضّح أنها الأكثر دماراً وتهجيراً ووحشية وانتهاكاً للقانون الدولي الإنساني من سابقاتها، فهي كانت لا تزال حتّى النهار العاشر حرباً جوية بغارات مدمّرة لكامل قطاع غزّة، دون استثناء الأعيان المدنية والثقافية والمستشفيات والمدارس، مع التركيز على تهجير السكّان من الشمال، حيث يتّبع سياسة «الأرض المحروقة» قبل التوغّل البرّي الذي من المتوقّع أن ينطلق من محاور عدّة يكون فيها محور رئيسي يحشد فيه القدرات الهجومية الأساسية من مشاة، مدرّعات، حماية جوية من المقاتلات والمروحيات القتالية والمدفعية والمسيّرات وهندسة قتال لمعالجة الألغام والأفخاخ وفتح ممرّات. أمّا المحاور الأخرى فستكون للتثبيت والخداع، حسب العقيدة القتالية للجيش الإسرائيلي.
بدأ الجيش الإسرائيلي منذ اليوم الثاني للحرب حشد قدرات قتالية استعداداً للهجوم البرّي شمال وشمال شرق غزة. وحسب تقديرات القوّة التي يحشدها الجيش الإسرائيلي يتبيّن أن هناك 5 فرق هجومية، مقسّمة بين فرقتَي مشاة، فرقتَي مدرّعات وفرقة مظلّيين، إضافةً إلى القوات الخاصة. ووفق تنظيم هذه الفرق، يتبيّن أنّها تتألّف من حوالى 650 دبابة، 150 ألف عنصر، فضلاً عن 323 مقاتلة (109 «أف 15»، 175 «أف 16» و39 «أف 35») و48 طوافة قتالية من طراز «أباتشي اي اتش 64»، مقابل قدرة «حماس» الكبيرة من الصواريخ القريبة والبعيدة المدى التي ستستخدمها لضرب الأنساق الخلفية للعدو، كما للتشتيت والإرباك.
وتمتلك «حماس» مسيّرات استطلاعية وانتحارية، كما أنّها تمتلك أسلحة مضادة للدبابات تُقدّر بـ5000 «آر بي جي 7» استخدمتها «كتائب القسّام» في حرب العام 2014. وتمتلك أيضاً الصاروخ الروسي الموجّه بالليزر «كورنت أي» المضاد للدبابات، والذي يُمكن استخدامه ضدّ الطوافات التي تُحلّق ضمن مدى 10 كيلومترات، وأسلحة أخرى يُمكن أن تُفاجئ العدو بمجرّد شنّ الهجوم البرّي.
أُجِّلَ هذا الهجوم البرّي الذي كان من المفترض أن يبدأ نهاية الأسبوع الماضي لأسباب عدّة، منها المُعلنة، كالسبب الطبيعي غير الملائم للهجوم برّياً جرّاء السماء الملبّدة بالغيوم التي ستجعل من الصعب على الطيارين الإسرائيليين ومشغّلي الطائرات بلا طيار توفير غطاء جوي للقوات البرّية، والسبب الإنساني الذي لا يُمكن تصديقه أنّ الجيش الإسرائيلي ينتظر مغادرة جميع المدنيين من شمال غزّة نحو الجنوب. لكن الأسباب غير المُعلنة تعتبر الأكثر ترجيحاً وراء تردّد القيادة الإسرائيلية بشنّ الهجوم البرّي، أهمّها العامل المعنوي. فالجيش الإسرائيلي تفاجأ بقدرات «حماس» في تنفيذ عملية «طوفان الأقصى»، بحيث تمكّنوا من التخطيط بسرّية تامة، وخدعوا الجيش القوي استخباراتيّاً بالدخول سريعاً نحو القواعد العسكرية برّاً وجوّاً وبحراً، وأسر ضباط كبار وعدد كبير من الجنود الإسرائيليين، كما القدرة على إسقاط مروحية قتالية، فهذا شكّل إرتباكاً كبيراً للقيادة العسكرية، وأصبح التخطيط للهجوم البرّي يتطلّب وضع معالجات لكافة ردّات الفعل التي يُمكن أن يتفاجأ بها الجيش الإسرائيلي ومنها فتح جبهات عدّة وتوسّع رقعة القتال.
والسبب الثاني يكمن بالخوف من الاستنزاف الذي سيتكبّده الجيش الإسرائيلي، إذ إنّ من السهل على المُخطّط العسكري دخول الحرب، لكن من الصعب أن يُنهيها بنجاح، فهذه العملية ستورّط إسرائيل في حرب مدن حيث القتال في الأماكن المبنية من أصعب أنواع المعارك للمُهاجم ضدّ الميليشيات المُدافعة. وهذه المعركة ستستمرّ على مدى أشهر، خصوصاً وأنّ الأبنية هناك قريبة والدمار كبير يُعيق حركة المُهاجم الذي عليه تطهير كلّ بيت للتقدّم. وهناك على الأرجح عشرات الآلاف من مقاتلي «حماس» الذين يتحصّنون في مخابئ ومئات الأنفاق تحت الأرض شمال القطاع، التي من الممكن أن تكون موصولة بمناطق إسرائيلية في العمق، أي إمكانية مهاجمة «حماس» الجيش الإسرائيلي من الخلف، أو القيام بعمليات خاصة لضرب طرق المواصلات اللوجستية ومراكز القيادة، ما سينعكس على الحرب في المدن داخل القطاع.
خرج الجيش الإسرائيلي من حال الإرتباك التي سبّبها الهجوم المفاجئ الذي شنّته «كتائب القسام» صباح 7 تشرين الأوّل، وتمكّن من إعادة تنظيم توازنه على المستويات القيادية والتخطيطية والتنفيذية. لكنّ الدخول في قتال ضدّ مجموعات صغيرة وسط الأماكن المبنية المتقاربة فوق الأرض وأنفاق معقّدة تحت الأرض، سيكون مصيره الاستنزاف الذي لا يُمكن أن يتحمّله الجيش الإسرائيلي في حال الحرب التي تشلّ الاقتصاد الإسرائيلي. لكن لحفظ ماء الوجه واستعادة الهيبة التي فقدها أخيراً، يُمكن أن يتقدّم للسيطرة على الأراضي الزراعية في الشمال والشمال الشرقي لقطاع غزّة من دون الدخول إلى المدن، وبالتالي القضاء على القدرة الحياتية الزراعية للسكّان في الشمال، ما يدفعهم للهجرة القسرية الدائمة.