سناء الجاك

عن الممانعة واستثمار القضية

4 دقائق للقراءة

تستمر حرب غزة بإيقاع متعسّر دبلوماسياً، ومتدحرج عسكرياً. تُدمي القلوب هذه الحرب مع مشاهد الموت الكبير والكثير بما لا يُحتمل، أو هو يُحتمل، وإلا لما كان يتكرر مع تعاقب العقود، وإلا لما بقي السلام عملة مفقودة على هذه الأرض.

يصعب توجيه البوصلة، فكل الحروب مع كيان إسرائيل منذ نشوئه، لم تنتج سوى هزائم، مهما جرى تجميلها بمصطلحات إنشائية. هي لم تسفر عن عودة الأرض إلى الفلسطينيين، وأيضاً لم تشهد «الدول المنتصرة» قيامة وحرية وانتعاشاً اقتصادياً، بل ازدادت شعوبها فقراً وذلاً وتهجيراً وتشرداً، وازداد حكامها ديكتاتورية وظلماً.

في المقابل، إسرائيل لا تزال تتوسع عبر مستوطنات لتقضم ما تيسر لها من حوالى ستة آلاف كيلومتر مربع هي مساحة مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية من أصل حوالى 27 ألف كيلومتر مربع هي المساحة الفعلية لفلسطين المغتصبة، وتمعن في الإجرام لاطمئنانها إلى مجتمع دولي لا يحاسب إلا وفق لائحة مصالحه... ليس فقط عندما يتعلق الأمر بها، ولكن أينما كان، إن في عالمنا العربي أو حيث الدول النامية والمتخلفة.

أمّا أصحاب فلسطين، فلا يزالون شعباً بلا أرض، ولا تزال قضيتهم ورقة رابحة لمن يستثمرها خدمة لغاياته ومشاريعه وطموحه التوسعي، الا أنّها تبقى معاناة دامية للفلسطينيين أنفسهم.

وأنكى من ذلك، عندما يطل محلل اقتصادي ممانع ويتحدث عن خسائر إسرائيل بموجب عملية «طوفان الأقصى»، وكأنه لا يعلم أنّ غالبية الدول التي تريد إزالة إسرائيل من الوجود، لا تملك حتى اقتصاداً لتخسره، ليس بفعل الكيان الصهيوني، ولكن بفعل الأنظمة التي يمجدها ويبارك فسادها... ويتغاضى عن تنكيلها بشعوبها.

الضحايا الفلسطينيون سيتجاوز عددهم ما لا يحتمل الوجدان، فمن دفعهم إلى موتهم هذا لا يريد نصرة القضية، ومحو إسرائيل عن سطح الأرض بسبع دقائق، كما كان يردد مسؤولون في رأس المحور الممانع، وهم يتبارون بالخطابات، والتهديد، والوعيد، والصراخ، والتهليل.

والمأساة أنّ الذين راهنوا على ضعف إسرائيل بفعل الخلافات الداخلية العميقة، وضرورة اقتناص هذه الفرصة لاقتلاع الكيان الإسرائيلي، وقعوا في سوء تقدير لإجرامها وقدرتها التدميرية الهائلة، والدعم الدولي الذي تحظى به، بما في ذلك كل من الصين وروسيا، على عكس الدول الضعيفة والمفككة أصلاً والتي لا يملك من يتحكم بها إلا رفع شعار «القضية الفلسطينية» ورقةً رابحةً وصالحةً للاستثمار، الباقي فضائح مجلجلة... وتهديدات بتوسيع الحرب وفتح جبهات إضافية، لمحاولة الحدّ من الخسائر بعدما تحولت أنهار الدم الفلسطيني طوفاناً أقصى وأفظع ما يمكن استغلاله لمزيد من مصادرة النفوذ والسيادة في «الدول المنتصرة». في حين يبحث المتاجرون به عن صفقة تنتشلهم من تردي أوضاعهم وترفع عنهم العقوبات وتسمح لهم بتحقيق المزيد من المكاسب في المنطقة.

وبالطبع لن يتورع تاجر الدم عن فتح جبهات إضافية توسع دائرة الموت والدمار، فقط لتحسين شروطه في التسوية المرتقبة، وهو لم يتورع حتى الآن عن ذلك، إلا لأنّ التهديدات الإسرائيلية تصوَّب عليه مباشرة وبالاسم... وبالتالي اقتضى التوضيح بأنّ «قواته المسلحة لن تشتبك مع إسرائيل شريطة ألا تغامر منظومة الفصل العنصري الإسرائيلي بمهاجمة دولته ومصالحها ومواطنيها». أما الدول التي يستخدمها ويخربها، فلا لزوم للتوقف عند مصلحتها ومصلحة مواطنيها، معتبراً أنّ «جبهة المقاومة تستطيع الدفاع عن نفسها».

وبالتأكيد، لن يسمح تاجر الدم لغيره بأن يبادر إلى البحث عن حلٍ عادلٍ ومعقولٍ للقضية الفلسطينية بعد هذه الحرب الفظيعة، فهو سيعتبر حينها أنّ جهوده واستثماراته ضاعت سدى لحساب عقلاء راهنوا منذ زمن على معادلة «الأرض مقابل السلام».