حكومتان فقط لم تطلبا إلى رعاياهما الجلاء عن لبنان أو اتّخاذ الحيطة والحذر لدى تواجدهما فيه للضرورة!
الحكومة السورية ذات التجربة الفريدة في التعاطي مع أبناء قلب العروبة النابض والتي أدّت دوراً تاريخياً في تصدير رعاياها على شاكلة مطرودين وطلاب أمان وعمل وعلم، وهم جميعاً يرغبون في المخيّمات ويفضّلونها على «حضن الوطن»، والحكومة اللبنانية المستقيلة من مهامها للمرة العشرين وليست لها علاقة البتّة بأيٍّ ممّا يجري على الأراضي التي تتولاها في «نطاقها البلدي».
في الوضع القائم تشبه الحكومة مجلساً بلدياً مشلولاً، كتلك المجالس التي يتوجّه إليها وزير الداخلية، طالباً منها القيام بما لا تقوم به أجهزة الدولة من تدابير تتعلق بالصحة والأشغال والأمن وبالنازحين السوريين. البلديات عاجزة والحكومة بلدية محلولة. رئيسها يعلن أنّ قرار الحرب والسلم ليس في يدها فيما يتمّ دفع البلد يومياً إلى حرب يعرف الجميع ما ستسفر عنه حتماً.
نتيجة الحرب ليست واضحة ولا غاياتها. لكنّ ثمنها سيكون عسيراً كما هدّد العدو أكثر من مرة. لن يبقى حجر على حجر في الجنوب والبقاع وبيروت وضواحيها، وستمتدّ «يد الغدر» إلى المطار والمرفأ وربما المرافئ والمرافق الأخرى المتبقّية، وسيحلّ الدمار والموت في كل مكان، وستبقى العناوين السابقة للحرب قائمة مع فاتورة أثقل:
كيف ينتهي الشغور الرئاسي؟ من سيشكّل حكومة الإصلاح المالي والاقتصادي والاجتماعي؟ ومن سيعيد أموال المودعين؟ والفاتورة الأثقل، من يعوّض الضحايا والدمار ومن يموّل إعادة الإعمار؟ ومن سيسكن لبنان بعد تكرار تجربة يبدو أن أحداً لم يتعلّم، ولن يتعلّم منها شيئاً؟
يُقاد لبنان إلى الحرب من دون أن تكون لمؤسّساته الدستورية علاقة أو قرار. القرار في يد تنظيم مسلّح والإشارة رهن توجيهات خارجية. وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان هو الأكثر تعبيراً عن فحوى تلك الإشارة. هو (وحكومته) يبحثان عن الوقت المناسب منذ أسبوعين، وقبل يومين غرّد قائلاً إنّ «الوقت انتهى»، فزادت حدّة سباق الموت في الجنوب. انخرطت «حماس» في حرب الحدود الجنوبية على طريقة ثمانينات القرن الماضي. وتابعت مع «حزب الله» في الإعلان عن عمليات القصف على امتداد الخط الأزرق، وبدأت عمليات النزوح وتفتيش الأهالي عن مسكن أو مأوى.
لم يفكر أحد أنّ الحرب تحتاج إلى جبهة داخلية. إلى ملاجئ محصّنة وتخزينٍ للطعام والدواء والمحروقات. إلى مستشفيات مجهّزة... وطرقات لا تعوم بشبر ماء. اعتبروا أنّ الحرب «لعبة طرنيب» تنتهي بخاسر ورابح يتبادلان التحية لدى انتهاء الشوط.
لا تدار الحروب بهذه الطريقة ولا بهذه الأدوات والاستعدادات، ولكن بما أنّ قرارها ليس في يد الحكومة، فلتتفضّل هذه الحكومة وتقدم النصيحة الوحيدة القادرة عليها فتبلغ رعاياها بتجنّب الإقامة في لبنان حرصاً على سلامتهم.
عندها ربما تقوم الحكومة الشقيقة في سوريا بالمثل، أو تقرّر ملء منازل اللبنانيين الفارغة بانتظار تحقيق حلمهم بالعودة والإقامة في بلد يحقّ له أن يعيش، لا بلدٍ زائف في حروب زائفة.