جوني داغر

طوائف لبنان وحرب غزة

4 دقائق للقراءة

يكاد يكون لبنان أكثر دولة في المنطقة دفعت ثمن المسألة الفلسطينية من خلال الإنقسام العامودي الذي أوجده هؤلاء ولاحقاً إنتقالهم إلى العمل العسكري الفدائي وصولاً إلى الحرب اللبنانية حيث شكلّوا العنصر المتفجّر الأساسي فيها وما تبعها من تفكك للدولة حتى يومنا هذا.



في هذا الإطار، ومع تطور الأحداث في قطاع غزة بُعيد عملية 7 تشرين إنقسم الرأي العام العالمي والعربي حيال سياقات الحدث وكان للبنان حصّة الأسد من هذا الإنقسام:



المسيحيون: الغالبية الساحقة منهم تنتمي إلى الطبقة المتوسطة والمتعلّمة، فهم يشكّلون رأياً عاماً متحركاً في كثير من الأحيان لكن ذاكرة الحرب وما قبلها والتجاوزات والمجازر التي قام بها الفلسطينيون بحقّ المناطق المسيحية وما أسفر عن ذلك من ويلات ما زالت تشّكل ركيزة الوعي العميق لدى المسيحيين تجاه الفلسطيين، لكن هنا يبرز عاملان:



الأول هو عامل السّن: اذ رأينا تعاطفاً كبيراً من أفراد مسيحيين ينتمون إلى الفئات العمرية الأصغر خصوصاً بعد انتشار مشاهد قتل الأطفال وقصف مستشفى المعمداني، وقد يعود هذا الأمر إلى تماس هؤلاء الدائم مع مواقع التواصل الاجتماعي. وربّما السبب الثاني هو أن مفعول "التروما" الفلسطينية قد تقلّص مع مرور الأجيال.



والعامل الثاني هو عودة مشاعر الكراهية ضد إسرائيل من قبل نسبة كبيرة من المسيحيين خصوصاً أنّ الأغلبية تعتقد أنّ الأخيرة تقف وراء تفجير مرفأ بيروت وتدمير جزء أساسي من الأحياء المسيحية.



هنا تجدر الإشارة، إلى الفرق بين التعاطف a court terme الذي لا يمكن إنكاره عند شريحة واسعة من المسيحيين، ووعيهم الجماعي الذي هو وعي معادٍ للفلسطنيين وقد ظهر هذا الأمر جليّاً في اليوم التالي بعد أعمال شغب دارت في عوكر إحدى الضواحي المسيحية ما ذكّر ببعض الممارسات حيث عاد هذا التعاطف وتقلّص إلى حدوده الدنيا.



السنّة: الغالبية الساحقة من سكّان غزّة هم من المسلمون السنّة، وعلى الرغم أن "حماس" باتت موسومة بالوسم الإيراني لكن هذا لا ينفي الدعم القطري والتركي الكبير لها، فضلاً عن أنّ "حماس" فصيل سنّي متشدد يقوم بشكّل أساسي على خلفية دينية، من هنا نفهم التعاطف الذي شهدته الساحة السنّية مع ما يحصل.



الشيعة: قد قيل يوماً للإمام الخميني إنّه إذا أراد الدخول إلى العالم الإسلامي فإنّ فلسطين هي الباب الواسع لمن يروم هذه الغاية. ومن المعروف أيضاً أنّ مشاريع التوسّع الفارسية في المنطقة قديمة قدم بلاد فارس من زمن الحروب مع اليونان إلى الزمن الشاه إلى تصدير الثورة فتختلف العناوين لكنّ الثابت المزيد من الهيمنة الإيرانية في المشرق.



ومن الثابت أيضاً أنّ إيران وأجنحتها تضع فلسطين في صلب الأيديولوجيا والدعاية للتي تعتمدها. ومن الثابت أكثر، أنّ أيران تستعمل العنوان الفلسطيني لتوسيع رقعة نفوذها في المنطقة لفرض نفسها شريكاً أساسياً في خريطة توزيع النفوذ ونسب الأرباح من الغاز إلى الصفقات وطرق التجارة العالمية. من هنا بوسعنا أن نفهم مدى الغيرة الشيعية على فصيل سنّي وقطاع على حدود مصر.



الدروز: لطالما اعتبر كمال جنبلاط الوجه البارز للمشروع الفلسطيني بين ساسة الصفّ الأول، فللدروز حسابات أخرى من الحفاظ على انسجامهم في هذا البحر المُسلم، وللدروز تواجد أيضاً في إسرائيل يصل إلى حدود ١٥٠ ألف شخص وهمّهم التاريخي هو الحفاظ على وجودهم. من هنا بوسعنا أن نفهم موقفهم من هذا الحدث ومن أحداث كثيرة أخرى.



في الختام، قد يتفّق اللبنانيون على بعض تقاليد الضيافة واللباقات الإجتماعية، لكنّهم وفي ما لا ريب فيه يختلفون عند كلّ مفترق، لعّل هذه الفرادة أو النقمة أو النعمة، أسموها ما شئتم، تشي بأمرِ ما يحتاج إلى صياغة تمنع تكرار مشهد عوكر وإطلاق تهم العمالة على من لا يعتقد أنّ على لبنان أن يدّمر كرمى لعيون مغامرات الآخرين، فالعداء لإسرائيل أمر ولحس المبرد حتى الثمالة أمر آخر.