في منزلها اللندنيّ، توفّيت الروائيّة ليلى بعلبكي (87 عاماً) صاحبة رواية «أنا أحيا» التي ألهمت بجرأتها جيلاً من الكتّاب والكاتبات في ستّينات وسبعينات القرن الماضي، بعد صراع مع المرض. وعُرفت بطرحها موضوعات ما برحت حتى اليوم من المحرّمات، أُحيلت بسببها إلى التحقيق لدى شرطة الآداب في «مخفر حبيش» وحوكمت في العام 1964، لينقسم حول أدبها الكتّاب والبلد، وتهاجمها الهيئات النسائية، قبل أن تبرّئها المحكمة.
بدأت الراحلة الكتابة في الرابعة عشرة من عمرها، وأصدرت روايتها الأولى «أنا أحيا» في العام 1958 والتي لقيت صدى إيجابياً لدى النقاد، حيث ترجمها إلى الفرنسية الأديب الفرنسي ميشال باربو، كما تحدث عنها المستعرب جاك بيرك في دراسته «القلق العربي في الزمن المعاصر»، ما وضع بعلبكي على عتبة الشهرة الأدبية. وقتذاك، كُتب لهذه الرواية الجريئة شيء لا يستهان به من الشهرة. لكن نجم تلك الشابة لم يشعّ كما يفترَض، حيث تزامن صدور «أنا أحيا» مع ثورة 1958، التي شطرت لبنان فريقين، وبقيت الشوارع والمناطق في حالة توتّر لأشهر طويلة، فلَم يحصل ذلك العمل على الانتباه المطلوب.
لكن في العام 1964 أصدرت «سفينة حنان إلى القمر»، ومعها انقسم الوسطان الثقافي والإعلامي، بين مدافع عن حقّ بعلبكي بالتعبير (مثل خليل تقي الدين، يوسف الخال، أنسي الحاج، ابراهيم سلامة وجميل جبر)، وبين ساخط عليها مثل صاحب دار «الصيّاد» سعيد فريحة. وعلى إثرها، حوكمت بعلبكي وأوقفت ثمّ تراجعت المحكمة مبرّئةً الكاتبة والقصّة. ووسط كل ذلك السواد الهجومي، انكفأت الراحلة عن إصدار الكتب والكتابة الصحافية، منسحبةً كليّاً من دائرة الضوء، تاركةً صرختها تدوّي وحيدة لتصبح جزءاً من الكتابة النسوية الجريئة، والمؤسِّسة للنص المتمرّد.
وتعود جذور بعلبكي إلى بلدة حومين التحتا الجنوبية، هي المولودة في بيروت عام 1934. والدها علي الحاج البعلبكي، وهو شاعر زجلي وموظف في مجلس النواب. وداخل مؤسسات تترجم التناقض الطائفي والمحسوبيات التي لا تشبهها، دخلت بعلبكي مدرسة رسمية في منطقة عين المريسة لتستكمل بعدها الدراسة في «كلية المقاصد الإسلامية»، ثم العالم الجامعي بـ»جامعة القديس يوسف». وكتبت في صحف عدة منها «الحوادث»، «الدستور»، «النهار»، «الأسبوع العربي» وغيرها.



ومع اندلاع الحرب اللبنانية سنة 1975، وجدت ليلى شريك حياتها السيد أنطوان وديع تقلا، وقد أنجبت منه ابنتين وابناً، فكان زواجها هي المسلمة الشيعيّة من رجل مسيحيّ يترجم تمرّدها ورفضها الشائع. وهاجرت حينها إلى لندن وانقطعت عن الكتابة الصحافية، فراح حضورها يخفت الى أن عزلت نفسها عن الوسط الأدبي والصحافي. وقيل إنّها كانت ترفض أن تعقد أي لقاء مع الصحافة مفضّلةً البقاء في الظل بعد كل تلك الضوضاء التي أحدثتها. وبقيت الكاتبة في إنكلترا لأربع سنوات، ثم عادت إلى بيروت، لتتنقّل بعدها بين العاصمَتين.



وفي العام 2009، أي بعد أكثر من أربعين عاماً على ابتعادها عن الأضواء، أطلّت بعلبكي في «معرض الكتاب العربي» ببيروت، لتوقّع كتبها التي أعادت «دار الآداب» طباعتها، ثم عادت إلى عالمها في الكواليس، لتكمل سنوات عمرها وتنطفئ في الظلّ.