في مئوية الجمهورية التركية: إردوغان وريث أتاتورك ومنافسه (زاوية)

5 دقائق للقراءة

تحتفل تركيا الأحد بمئوية جمهوريتها، فيما يسعى الرئيس رجب طيب إردوغان لترك بصمته على مصير البلاد على حساب مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، عبر فكرة "قرن تركيا".

صار إردوغان والقائد العسكري في حقبة الحرب العالمية الأولى مصطفى كمال أتاتورك من الشخصيات البارزة في تركيا الحديثة، حيث تحدد أفكارهما ورؤاهما المتناقضة شكل المجتمع ومكانة البلاد في العالم.

وإردوغان الذي يطلق عليه أنصاره لقب "الريّس"، هو الزعيم الأطول خدمة في تركيا، حيث أشرف على مشروعات ضخمة أبقت على شعبيته خصوصا في المحافظات الفقيرة والأكثر محافظة دينياً منذ عام 2003.

أما مصطفى كمال، فقد أطلق البرلمان التركي عليه لقب أتاتورك الذي يعني "أبو الأتراك"، بعد أن نجح المشير في دحر الجيوش الأجنبية وأسس جمهورية علمانية جديدة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية.

راهنا، يحاول إردوغان بصعوبة الموازنة بين تبجيل الرجل الذي أسس الجمهورية، وبناء إرثه الخاص - وهو إرث يخشى منتقدوه أن يعيد تركيا إلى ماضيها العثماني.

ويملأ "الريّس" خطاباته بإعلانات عن "قرن تركيا" الجديد الذي يمكن أن يتضمن دستورا منقحا يحمي حق المرأة في وضع الحجاب في الأماكن العامة، ويُعرّف الزواج على أنه اتحاد بين رجل وامرأة.

نُشر برنامج الاحتفالات في وقت متأخر، قبل أسبوع من الحدث، ويتضمن عروض ألعاب نارية وطائرات مسيّرة فوق مضيق البوسفور وإضاءة معالم رمزية.

وتراجع التلفزيون الرسمي عن تغطية الاحتفالات، مشيرا إلى الحرب التي تشنها إسرائيل في غزة بعد هجوم حركة حماس.

وفي اليوم السابق للعطلة الوطنية، يعتزم الرئيس المشاركة في تجمع كبير "لدعم فلسطين"، ينظمه السبت حزب العدالة والتنمية في إسطنبول - في مطار أتاتورك السابق.

ورفعت البلديات التابعة لحزب العدالة والتنمية، مثل بلدية غازي عنتاب (جنوب)، أعلاما فلسطينيا كبيرة هذا الأسبوع قبل أيام قليلة من الاحتفالات.

قلة الضيوف الأجانب في الذكرى الكبيرة في تركيا تزيد من الشعور أن إردوغان لا يريد إسباغه أهمية كبيرة.

يرى الأستاذ في جامعة قادر هاس في إسطنبول سولي أوزيل أن الرئيس "لا يريد حقا الاحتفال بالجمهورية".

ويضيف "الناس غير سعداء. لم يتم فعل أي شيء لإنشاء جو احتفالي".

- "قرن تركيا" في مواجهة "القرن الثاني" -

من الصعب المبالغة في تقدير أهمية أتاتورك في تركيا، ما يجعل أي محاولات من جانب رجب طيب إردوغان للتفوق عليه تبدو صعبة.

ويقول المؤرخ والباحث والكاتب أكرم إيسين إن شرائح واسعة من المجتمع لا تزال ترى أتاتورك المحرر الذي دافع عن الأتراك ضد الغزاة في الحرب العالمية الأولى وأنهى النزعة المحافظة الدينية لحكم السلاطين.

ويتابع "فكِّر في شعب قضى 600 عام تحت حكم أسرة"، مضيفا "كل من رفع صوته قليلا كان يُضرب بالعصا. كان هناك مناخ من الخوف".

الجمهورية العلمانية الجديدة ذات التوجه الأوروبي التي أسسها أتاتورك سمحت للناس "بالاعتماد على أنفسهم ومنحتهم حقوقا لم يطالبوا بها حتى".

في عام 1923، بدأ أتاتورك في بناء الجمهورية، ففرض العلمانية ودافع عن حقوق المرأة والحق في التصويت والتعليم.

ويرى منتقدو إردوغان أنه يريد "تركيا جديدة"، أكثر محافظة وتديناً.

تقول مديرة معهد إسطنبول للأبحاث السياسية سيرين سيلفين كوركماز "منذ تأسيسه، سعى حزب العدالة والتنمية إلى بناء هوية وسرديات بديلة للجمهورية".

وتضيف أن "الاستقطاب في تركيا امتد حتى إلى الاحتفالات بالذكرى المئوية: فحزب العدالة والتنمية يتحدث عن "قرن تركيا"، وآخرون عن "القرن الثاني" للجمهورية.

ويشير المحلل السياسي بارسين ينانج إلى أنه "بدلاً من تسليط الضوء على إنجازات الجمهورية، تركز احتفالات 29 تشرين الأول/أكتوبر على رسالة مفادها أن إردوغان فعل في عشرين عاما أكثر مما فعله (الآخرون) خلال مئة عام".

- "موجود في كل مكان" -

لكن المؤرخ الفرنسي جان فرانسوا كولوسيمو يذكّر بأن السلطوية التي يتهم بها الرئيس التركي تشكل "نمطا من العمل السياسي أنشأه أتاتورك وأعاد انتاجه إردوغان".

ويضيف "في غضون أيام أو أشهر أو سنوات قليلة، تم تتريك السكان، ومعظمهم من المسلمين، ولكن تم تحديثهم أيضا، وتغريبهم بالقوة" مع تبني الأبجدية اللاتينية وحظر الطربوش وغيره من الملابس التقليدية.

ويضيف ينانج "أعتقد أن إردوغان معاد للعلمانية"، ويردف "الإسلام السياسي لديه مشكلة مع العلمانية والجمهورية".

بدوره، يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة سابانجي في إسطنبول بيرك إيسن أن "إردوغان يدفع باتجاه جمهورية ثانية، أكثر محافظة، وأكثر إسلامية، وتنأى بنفسها عن الغرب".

ويتابع "إنه يحاول أن يترك بصمته في جميع المجالات السياسية المهمة وفي جميع المشاريع. لكن سواء كان الأمر يتعلق بالاحتفال باستقلال البلاد أو تكريم الجيش" فإن "مصطفى كمال موجود في كل مكان".

ويضيف أنه "لم ينجح تماما في محوه، لكن ذلك على الأرجح ما سيحاول القيام به بعد عام 2023".

اش-بغ/ح س/نور

Agence France-Presse ©