السابع من تشرين الأول/أكتوبر أو السبت الأسود في إسرائيل (رواية)

8 دقائق للقراءة

مع شروق الشمس على أطراف قطاع غزة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، تقدّم مئات المقاتلين من حركة حماس الفلسطينية نحو الحدود مع إسرائيل، وفي غضون دقائق فُتحت أبواب الجحيم.

لم يشكّ الجنود الإسرائيليون الذين كانوا يراقبون السياج الفاصل مع غزة في ذلك اليوم، ولا سكان البلدات والكيبوتسات القريبة، في أن حماس ستشنّ الهجوم الأكثر عنفا على الإطلاق على الأراضي الإسرائيلية.

أَطلقت كتائب القسام، الذراع العسكري لحركة حماس، على العملية اسم "طوفان الأقصى"، وتمّ إعدادها بعناية لأشهر، وربما على مدى عام، وفق خبراء عسكريين إسرائيليين، تحت أنظار الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية.

في أحد مقاطع الفيديو التي نشرها "الإعلام العسكري" لحركة حماس على حسابه على تطبيق "تلغرام" وتم تداولها بكثافة على شبكات التواصل الاجتماعي، يظهر مقاتلو الحركة وهم يغادرون منازلهم في غزة باتجاه إسرائيل. 

بدأت العملية على الساعة 06,28 (03,28 ت غ). وأطلقت مئات الصواريخ باتجاه البلدات الإسرائيلية من أجل صرف الانتباه عمّا يحدث على الأرض. تمّ تفعيل "القبّة الحديدية"، منظومة الدفاع الجوي الإسرائيلي، لكن عدد المقذوفات كان أكبر بكثير مما يمكن اعتراضه.

- تقدم سريع -

وقالت حركة حماس إن العملية ردّ على انتهاكات إسرائيل للمسجد الأقصى، وإن الحركة "قرّرت وضع حد لكل جرائم الاحتلال، وانتهى الوقت الذي يعربد فيه دون محاسب".

تقدّم مقاتلو حماس بسرعة عبر الحقول، وفي طليعتهم عناصر تنكروا بملابس مزارعين. خلفهم، ارتدى آخرون ملابس عسكرية مرقطة تشبه ملابس الجنود الإسرائيليين.

وارتدى آخرون قمصانا سوداء وسترات قتالية وقنابل يدوية، بينما عصب كثر رؤوسهم بالعصبة الخضراء لكتائب عز الدين القسام.

وتجهّز عدد من المقاتلين بكاميرات صغيرة ثبتوها على جباههم، التقطت صورا نشرتها حركة حماس في وقت لاحق وكشف الكثير من مجريات العلمية. وانتشل الجيش الإسرائيلي عددا من الكاميرات من جثث مقاتلين سقطوا خلال مواجهات مع الجيش الإسرائيلي خلال الهجوم، ونشر مقاطع منها أمام الإعلاميين.

تظهر المشاهد سرعة حركة المقاتلين المدربين جيدا، وانضباطهم، وثقل أسلحتهم، وبنادقهم الآلية، وقنابل يدوية، وقاذفات صواريخ مضادة للدبابات، وغيرها من العتاد.

وقال المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي بيتر ليرنر لوكالة فرانس برس "لكي يكونوا غير مرئيين، ألقوا متفجرات من طائرات مسيّرة واستخدموا أسلحة آلية لتدمير كاميرات المراقبة المثبّتة أعلى أبراج الجيش وكذلك مدافع رشاشة يمكن تشغيلها عن بعد".

وأضاف "فتحوا عشرين ثغرة باستخدام متفجرات على السياج أو الجدران الخرسانية" التي تقيمها إسرائيل حول غزة، خصوصا عند معبر إيريز الذي يمرّ منه عادة العمال من قطاع غزة الى إسرائيل.

اهتزّت الأسطورة الإسرائيلية حول "القلعة المنيعة" التي بنتها إسرائيل لنفسها.

ودمّر عناصر حماس مراكز اتصالات إسرائيلية لتعطيل استدعاء تعزيزات، بالإضافة إلى عمود كهرباء نصب قرب كيبوتس بئيري. عن طريق البحر، حاولت قوارب سريعة لفترة وجيزة الالتفاف حول السياج الفاصل، لكن "لم تنجح" العملية، وفق ليرنر.

حدث كل شيء بسرعة كبيرة. تسلّل عشرات المقاتلين إلى داخل الأراضي الإسرائيلية على دراجات نارية صغيرة، وعلى متن شاحنات صغيرة، مدعومة بجرافات مهدت الطريق عند الحاجة. واندفع المقاتلون نحو أهدافهم المحددة مسبقا، وتقع جميعها على مسافة تتراوح بين كيلومتر واحد وسبعة كيلومترات داخل الأراضي الإسرائيلية. 

ويوحي الانتشار السريع لمقاتلي القسام بأن جميعهم كانوا يعرفون بالضبط أين يجب أن يذهبوا.

- مهاجمة منازل وحفل راقص ومقتل المئات - 

في الساعة 6,55 صباحا، وصل مقاتلو حماس إلى قرى زراعية ومكان إقامة حفل راقص في صحراء النقب كان قصده مئات الشباب في هذا اليوم الأخير من عيد العُرش اليهودي.

وأظهرت مقاطع من كاميرات مراقبة التقطت قبل الحفل شبابا وشابات يسيرون بسلام في الأزقة الخضراء لكيبوتسات بئيري، وكفر عزة ونير اسحاق ونير عوز ونيريم وغيرها.

وتقول حماس إن 1200 مقاتل هاجموا 50 موقعا في ذلك اليوم، وكان يوم سبت، يوم الراحة اليهودي الأسبوعي. ويقول المسؤولون الإسرائيليون إن 25 بلدة وقرية تعاونية، من بينها سديروت وأوفاكيم ونتيفوت القريبة من غزة، تعرضت للاقتحام.

خلال هذه الهجمات غير المسبوقة من ناحية حدتها ونطاقها، قضى أكثر من 1400 شخص معظمهم من المدنيين الذين قُتلوا في اليوم الأول، وهي خسائر بشرية غير مسبوقة في تاريخ دولة إسرائيل وصفها كثيرون ب"المجزرة".

وأفاد ناجون ومنظمة "زاكا" الإغاثية التي تعنى بالتعرف على الجثث، أن عناصر حماس هاجموا منازل وقتلوا أطفالا بالرصاص أو طعنا.

حاول سكان مسلحون مكلفون أمن الكيبوتسات المقاومة بوسائلهم المحدودة، وانتظروا ساعات طويلة الجيش الذي استعاد القرى والبلدات واحدة تلو الأخرى، بعد أيام من القتال العنيف الذي تسبّب بوقوع مزيد من الضحايا.

في المركز الوطني للطب الشرعي في تل أبيب، تمكّن صحافيون من وكالة فرانس برس بعد ايام من رؤية جثث متفحّمة ومشوّهة ومتحلّلة... وأوضح القيمون على المركز أنهم يجمعون رفات الإسرائيليين الذين قُتلوا في هجوم حركة حماس بهدف التعرّف عليهم.

حتى الساعة 8,30 صباحا في السابع من تشرين الأول/أكتوبر، اقتحم عناصر حماس ست قواعد عسكرية: إيريز في الشمال، وناحال عوز قرب كيبوتس بئيري، ورعيم وصوفا جنوبا، بالإضافة إلى ثكنة صغيرة قرب كيبوتس كيريم شالوم (كرم أبو سالم) في أقصى جنوب الحدود مع غزة.

وتظهر صور نشرتها حماس مقاتليها وهم يطلقون النار على جنود وأسر عدد آخر، بعضهم بملابسهم الداخلية. كما تم التداول بصور مقاتلين لحماس يلتقطون صور سلفي مع جثث جنود على الأرض، وأخرى لما يبدو جثث جنود أيضا محملة في سيارة جيب بيضاء.

تعرّض موقع المهرجان الموسيقي "نوفا ترايب" الذي كان جاريا على بعد بضعة كيلومترات من الحدود، لهجوم من مقاتلين هبطوا من طائرات شراعية صغيرة مزودة بمحركات، أو وصلوا برا في شاحنات صغيرة.

بدأ الشباب في المكان بتصوير سرب الطائرات الصغيرة قبل أن يفهموا أن القادمين مهاجمون، فذعروا وحاولوا الفرار في كل الاتجاهات. وقتل، وفق السلطات الإسرائيلية، 270 شخصا بنيران فرق حماس.

- صدمة وحرب -

انتشرت المقارنة بين حماس وألمانيا النازية على الفور عبر الصحف وعلى شاشات التلفزيون الإسرائيلية. وكان واضحا أن الصدمة عمت البلاد كلها.

قرابة الساعة السادسة مساء، أعلن أن حماس خطفت "جنودا ومدنيين إسرائيليين".

ونشرت الحركة مقطع فيديو يظهر ما لا يقل عن ثلاثة رجال يرتدون ملابس مدنية، قالت إنهم من "أسرى العدو".

وأكد المتحدث العسكري دانيال هغاري الخميس أنه تمّ "إبلاغ عائلات 224 رهينة" باحتجاز أفراد منها، مشيرا إلى أن هذا الرقم قابل للتغير.

وقال المتحدث باسم كتائب عز الدين القسام الخميس إن القصف الإسرائيلي المتواصل على قطاع غزة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر تسبّب بمقتل "نحو خمسين" رهينة.

في منتصف يوم السبت 7 تشرين الأول/أكتوبر، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو "نحن في حالة حرب"، مضيفا أن حماس "ستدفع ثمنا غير مسبوق".

وسارعت العواصم الغربية التي يصنّف عدد كبير منها حركة حماس "منظمة إرهابية"، الى إدانة الهجوم، وتعهدت واشنطن بضمان حصول إسرائيل على "ما تحتاجه للدفاع عن نفسها".

وحذّر الرئيس الأميركي جو بايدن "أي جهة معادية لإسرائيل من السعي لاستغلال الوضع"، في إشارة إلى طهران التي أشادت بالهجوم.

- "عملية بطولية" -

وهنّأ حزب الله اللبناني المدعوم من إيران الشعب الفلسطيني وحماس على "العملية البطولية".

واستدعى الجيش الإسرائيلي جنوده و360 ألف جندي احتياطي.

ولم يتأخر بالرد، فبدأ قصفا عنيفا متواصلا حتى اليوم على قطاع غزة الذي يقطنه 2,4 مليون فلسطيني أوقع أكثر من 7000 قتيل، معظمهم من المدنيين، وفق وزارة الصحة التابعة لحماس. ويخضع قطاع غزة لحصار إسرائيلي منذ العام 2007، تاريخ سيطرة حماس عليه.

وتحدّث معلقون إسرائيليون عن "خطأ لا يغتفر ارتكبته حكومة نتانياهو" و"إخفاقات" للجيش والاستخبارات أدّت إلى "فشل ذريع أسوأ من حرب يوم الغفران" في تشرين الأول/أكتوبر 1973 حين شنت مصر سوريا هجوما مباغتا على الدولة العبرية.

مع حلول الليل، كان البحث عن مهاجمين محتملين ما زالوا مختبئين في إسرائيل يجري على قدم وساق، فيما خلت الشوارع  من الناس.

با/ح س/رض

Agence France-Presse ©