1907

الإصابات

36

الوفيات

1348

المتعافون

كريم مروة

باسم علمانيته من أجل القضية الفلسطينية والعربية

خليل السكاكيني... مناضل القضية الفلسطينية والعربية

27 أيار 2020

02 : 00

يُعتبر خليل السكاكيني من الرواد الفلسطينيين الأوائل في الفكر العلماني وفي تمرّده على الكنيسة والتفريق في دفاعه عن القضية الفلسطينية، بين اليهود كأبناء دين سماوي وبين الصهيونية كحركة عنصرية واستعمارية. وكان من الأوائل الذين رأوا في الحركة الصهيونية خطراً على فلسطين والأمة العربية. كما أشار الى خطورة وعد بلفور مؤكداً بأن لدى الأمة العربية ولدى الشعب الفلسطيني من القوة والقدرة على منع تحقيق أهداف الحركة الصهيونية وتنفيذ وعد بلفور المشؤوم.



خليل السكاكيني أديب ومربٍّ فلسطيني ولد في مدينة القدس( 1878 -1953) وتلقى تعليمه في مدارسها. وقد التحق بعد تخرجه في مدرسة صهيون الإنكليزية من كلية الشباب (الكلية الانكليزية في ما بعد). وأنهى سنة 1893 دراسته فيها. ثم مارس التعليم في القدس وانتسب الى جمعية زهرة الآداب التي تأسست سنة 1898 برئاسة داود الصيداوي. غادر السكاكيني فلسطين الى نيويورك سنة 1907 ليتابع دراسته. لكن سوء الظروف المعيشية حالت دون ذلك فعاد الى فلسطين بعد سنة واحدة. وعمل بعد عودته في تنقيح مسودات مجلة "الأصمعي" لـ"حنا العيسى" وصحيفة "القدس" لـ "جورج حبيب". كما عمل في تدريس اللغة العربية للأجانب.

انتسب السكاكيني الى جمعية الاتحاد والترقي بالقدس، وأسس جمعية الإخاء الأورثوذكسي، ودعا الى مقاطعة رجال البطريركية الأورثوذكسية اليونانيين لطمسهم حقوق الطائفة الأورثوذكسية في فلسطين، مما حمل البطريرك اليوناني ذميانوس على حرمانه من الكنيسة.

في العام 1909 أسس المدرسة الدستورية في القدس بالاشتراك مع علي جار الله وجميل الخالدي وأفتين مشبك. وكان غرضها تنمية الوعي الوطني بين الطلاب وتهيئة معلمين وطنيين للمستقبل. وفي سنة 1914 عُيّن عضواً في إدارة المعارف بلواء القدس فبذل جهوده كلها في سبيل إصلاح مناهج التدريس وجهاز المدرّسين. وقد قامت السلطات العثمانية بإبعاده عن القدس وإيداعه السجن في دمشق، ثم أطلقت سراحه في كانون الثاني 1918 بكفالة مالية. وانضم بعد خروجه من السجن مع بعض رفاقه الى الثورة العربية الكبرى بقيادة الشريف حسين. ثم رحل الى مصر حيث أقام فيها الى أوائل سنة 1919 إذ عاد الى القدس. والتحق بالأمير فيصل عندما وصل الى دمشق في العام 1920 مرسلاً من قبل والده الشريف حسين لتأسيس دولة عربية عاصمتها دمشق.



إسعاف النشاشيبي



تولى السكاكيني إدارة دار المعلمين في القدس. لكنه قدّم استقالته بعد تعيين هربرت صموئيل مندوباً سامياً لبريطانيا في فلسطين. ثم غادر القدس الى القاهرة سنة 1920 تلبية لدعوة الجمعية السورية الأورثوذكسية ليتولى إدارة التعليم العربي في مدرسة "العبيدية".

في سنة 1922 عاد من مصر إلى القدس ومارس مهنة الصحافة. ونشر عدة مقالات في "المقتطف" و"الهلال" و"السياسة الأسبوعية المصرية". وتولى بعدها منصب أمين سر اللجنة التنفيذية للمؤتمر العربي الفلسطيني.

في العام 1926 عين مفتشاً عاماً للغة العربية في إدارة معارف فلسطين، ثم عضواً في "المجمع العلمي العربي" بدمشق. وألقى خلال سنة 1932 عدداً من المحاضرات في بيروت عن أصول التعليم في لبنان بتكليف من الجامعة الأميركية. في العام 1938 أسس في القدس "كلية النهضة" بالاشتراك مع ابراهيم شحادة الخوري ولبيب غلمية وشكري حرامي. وانتخب عضواً في "مجمع اللغة العربية " في القاهرة سنة 1948. توفي السكاكيني في القاهرة سنة 1953 وأُطلق اسمه على إحدى مدارس القدس وعلى أحد شوارعها تخليداً لذكراه.

كان السكاكيني في طليعة الرواد الذين دافعوا عن اللغة العربية في وجه الهجمات التي كانت تشن عليها من قبل السلطنة العثمانية، ودعا الى تقديسها والذود عنها. وهو يقول في هذا الصدد: "اللغة قبل كل شيء هي العنصر الذي نقيم فيه أمجاد الأمة، وعلينا أن نُعلم الولد كرامة أمته ومجدها في الكلمات العربية ليقرأها ويشعر بأنه يشرف على مجده وعزته القومية من خلال الحروف والكلمات". وله عدد من المؤلفات المطبوعة منها: الإحتذاء بحذاء الغير (1896)، وفلسطين بعد الحرب الكبرى (1920)، ومطالعات في اللغة والأدب (1925) وكذا أنا يا دنيا – يوميات السكاكيني (1955)، الى جانب عدد من الكتب المدرسية، مثل: الجديد في القراءة العربية (أربعة أجزاء) والدليل الأول والثاني في تعليم اللغة العربية، إضافة الى ترجمة كتاب "معالم التاريخ القديم" بالاشتراك مع وصفي عنبتاوي وأحمد خليفة سنة 1942.



ابراهيم طوقان



يقول صقر أبو فخر عن السكاكيني في مقال نشره في جريدة السفير: "لم تعرف فلسطين في تاريخها الحديث حركات الإصلاح الديني على غرار الحركات التي شهدتها مصر والشام والعراق، ولم يظهر فيها مفكرون نهضويون من طراز شبلي الشميل او فرح انطون او عبد الرحمن الكواكبي او حتى أحمد فارس الشدياق. غير ان خليل السكاكيني، بتمرده على الكنيسة اليونانية، جسّد ظاهرة غير مسبوقة في تاريخ فلسطين المعاصر. وطالما اعتبره الكثيرون طرازاً عابراً في الحياة الثقافية والفكرية في فلسطين لسبب بسيط هو ان هذا الطراز لم يتكرر لاحقاً. وبهذا المعنى فإن خليل السكاكيني كان، في مسلكه وكتاباته، اول من شرع في نقد الكنيسة ونقد الايمان التقليدي في فلسطين في بدايات القرن العشرين، ومع ان هذا الأمر يعتبر ريادة معرفية لا تضاهى. إلا ان السكاكيني ظل مغموراً خارج فلسطين الى حد كبير، ولم يتح لأفكاره في الإصلاح الديني وفي النهضة والتقدم ما أتيح لأقرانه امثال محمد عبده وعلي عبد الرازق وحتى معروف الرصافي. رأى خليل السكاكيني ان أكثر الظواهر مدعاة للعياء في المجتمع الفلسطيني هي سيطرة رجال الدين على الرعية باسم الدين والقداسة، ثم تحكّم رأس الكنيسة بشؤون الناس على طريقة الراعي والقطيع والعصا. ولما ايقن ان هذا المثال غير جدير بالاقتداء راح يجاهر بآرائه في رفض الطقوس كلها. وشرع يدعو الى الأخذ بروح الإنجيل لا بطقوس الكنيسة. وكان يردد قول الإنجيل: "الحرف يقتل والروح تحيي". ثم قاد حركة إصلاحية داخل الطائفة الارثوذكسية للتخلص من استبداد الاكليروس اليوناني، ولتعريب الكنيسة الارثوذكسية في فلسطين. وكان لا ينفك قائلاً: "لا تخافوا السماء لأن سلطتهم، أي سلطة رجال الدين، ليست من السماء". انشق خليل السكاكيني عن الكنيسة الارثوذكسية بعدما فشلت حركة الإصلاح التي بشر بها وقادها بجرأة مدهشة، فأصدرت الكنيسة تحريماً بحقه، ومنعت على رعيتها مخالطته والاصغاء الى آرائه، ثم رفضت تزويجه واخرجته من المنزل الذي كان يسكنه. وهو منزل تابع لدير الروم في القدس. وقد زاره في احد الأيام فرنسيس الخياط وحنا العيسى ليتباحثا معه في شأن تأليف حزب مسيحي فأجابهما قائلاً: "إذا كان غرضكما سياسياً فأنا لا استحسنه لأنني عربي قبل أي شيء. وعندي ان الأفضل ان نؤلف حزباً وطنياً لجمع كلمة ابناء الوطن على اختلاف المذاهب والنحل لتنبيه الشعور الوطني وبث روح جديــدة في النفوس".



اميل توما



يقول سعيد مضية عن السكاكيني في كتابه "رواد التنوير في فلسطين" تميز السكاكيني عانق إنسانية البشر، بغير تميّز ديني أو عرفي. صفاؤه البلوري وضميره الحاضر وروحه الإنسانية، أطلقت العنان لتأملات مجنحة، طارت به الى مواقف ريادية في أكثر من مجال. رأى الانتداب الإنكليزي أسوأ من الاستبداد العثماني، والمدرسة الوطنية أفضل من المدرسة التبشيرية التي لا تعرف أوضاعنا ولا تشعر بحاجاتنا. وأوصلته ضرورة الوحدة الوطنية الى ضرورة الوحدة العربية. وانتقل التعليم معه من غاية التنوير الى هدف التحرر الإنساني. بلغ به الطهر والتجرد أن رفض وهو في أزمة مالية عرضاً مشبوهاً للكتابة في صحيفة مقابل 60 جنيهاً ذهباً في الشهر. قوة طبعه وسمو أخلاقه تركت لدى كل من عرفه أثراً أقوى من كتبه. جمع بين قوة الروح وطهارة القلب، وعاش في انسجام تام مع مثله ومبادئه".



نجيب نصار



والجدير بالذكر أن السكاكيني كان قد نشر في مصر خلال وجوده فيها بين عامي 1919و 1920 سلسلة من المقالات والصحف والمجلات كرّسها للتعريف بحقيقة خطر الهجرة اليهودية الى فلسطين، لاحظ فيها أن العرب لا يقدرون الخطر الصهيوني حق قدره، نظراً للتقليل من قدرتها، استناداً الى تقديرهم الخاطئ بأن الحركة الصهيونية ستعجز عن تحقيق "وعد بلفور" وأن فلسطين أضيق من أن تتسع لغير العرب. وفضح في تلك المقالات تحيّز الانتداب لصالح الاستيطان اليهودي. إذ نزعت حكومة الانتداب إدارة المعارف من العرب وأبقت لليهود حرية إدارة مدارسهم. وفي تلك المقالات تجلّت النزعة الإنسانية في فكر "السكاكيني" حيث أكد الفرق بين اليهود والحركة الصهيونية. وكان في موقفه هذا طليعياً بين أقرانه ويقول في هذا الصدد: "وإذا كنت أكره الصهيونية، فليس ذلك كرهاً لحياة الأمة الإسرائيلية ونهوضها من وهدة الشقاء، ولكن لأني أكره المبدأ الذي تقوم عليه الحركة الصهيونية، لأنها تحاول أن تبني قدميها على أنقاض غيرها". ولاحظ في مقالاته أيضاً أن قلة من اليهود يعتنقون الفكر الصهيوني، أما الأغلبية من اليهود فهم غير الصهيونية ولا يهمهم سوى العيش بسلام من دون أية أطماعٍ أو اهداف عنصرية محددة. وقد سبق غيره في ربط خطر الاستيطان اليهودي بالانتداب البريطاني. لكن إنسانيته فتحت عينه على ضرورة التمييز بين اليهود والحركة الصهيونية.



كلثوم عوده فاسيليفا



خليل السكاكيني هو، كما أشرت الى ذلك في مطلع هذا المقال، واحد من مجموعة من الرواد الفلسطينيين. أذكر منهم على سبيل المثال بندلي جوزي محمد وروحي الخالدي وإسعاف النشاشيبي وكلثوم عودة ونجيب نصار وخليل بيدس وإبراهيم طوقان وآخرون. وهؤلاء الكبار هم في تاريخ فلسطين ثروة قومية يعبرون بها عن فلسطين كقضية وكوطن وكجزء من تاريخ قديم لا يمكن مهما حصل حتى الآن أن يغيّر أصوله وسماته. ولا يمكن أن يحول دون قيام دولة فلسطينية سيدة مستقلة الى جانب دولة إسرائيل على قاعدة حل الدولتين، ولو طال المدى برغم أنف الرئيس الأميركي ترامب وشريكه نتنياهو لمشروعهما العنصري باسم "صفقة القرن" التي لن ترى النور مهما جرى الصراخ العبثي حولهما.


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.