عادت قضيّة «الترانسفير» إلى الواجهة، لا سيّما مع تنامي الحديث مجدّداً بعد العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عن تهجير الفلسطينيين من القطاع إلى سيناء أو الأردن أو صحراء النقب. ومع كلام الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن نقلهم إلى الصحراء المذكورة ورفض إبعادهم إلى سيناء، تركّزت الأضواء مرّة أخرى على تلك المنطقة التي تقع في أقصى جنوب فلسطين.
في معلومات مستقاة من مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة، فإنّ هذه المنطقة تبلغ مساحتها نحو 14 ألف كلم مربّع، ويطغى انتشار المستوطنات الإسرائيلية على نحو 12 كلم مربّع منها، أي ما يناهز 86 في المئة من مساحة الصحراء التي كانت مأهولة تاريخيّاً من القبائل العربيّة وبعضها لا يزال موجوداً إلى يومنا هذا ويرتبط اجتماعيّاً بقبائل سيناء وشبه الجزيرة العربيّة والأردن.
ويبلغ عدد القرى العربية في صحراء النقب 46 قرية، لا يعترف الإحتلال الإسرائيلي سوى بـ11 قرية منها، بينما القرى الـ35 المتبقية فتُعتبر من قبل إسرائيل بأنها غير مرخصة، وهي بالتالي معرّضة للهدم وتهجير أهلها في أي وقت، وربّما من دون سابق إنذار، كما أنها لا تحظى بالحدّ الأدنى من البنى التحتيّة والمدارس والمستشفيات والخدمات العامة الأساسيّة.
يبلغ عدد السكان العرب في منطقة صحراء النقب نحو 300 ألف نسمة، يسكن أكثر من نصفهم في القرى الـ35 غير المعترف بها، وهم يخوضون معارك متواصلة مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي لتثبيت ملكياتهم للأراضي التي يُقيمون فيها منذ ما قبل النكبة سنة 1948، خصوصاً أن عدد المستوطنات الإسرائيلية يزيد عن 114 مستوطنة في منطقة الصحراء، وهي تأتي من ضمن سياسة التوسّع الاستيطاني التي لا تزال تمارسها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة رغم مخالفتها القوانين الدوليّة لدورها في تغيير الواقع الديموغرافي والسكاني في مختلف أرجاء فلسطين المحتلّة.
وتفيد المعلومات بأنّ الحكومات الإسرائيلية قد أعدّت المزيد من الخطط لبناء المزيد من المستوطنات في مختلف أنحاء النقب (كما في الضفة الغربية وسواها من المناطق المحتلّة)، بهدف تحويل البدو العرب إلى أقلية في المنطقة مقابل أكثرية يهوديّة. ويُشار أيضاً إلى أن سلطات الاحتلال أقامت العديد من المنشآت العسكريّة تتضمّن قواعد ومطارات من أبرزها مطار «رامون» وجامعة «بن غوريون» في بئر السبع.
مهما يكن من أمر، فإنّ الخطير في الأمر لا يتمثل في التوسّع الاستيطاني فحسب، بل أيضاً في طروحات التهجير الجماعي للفلسطينيين من قطاع غزة والذي تطلّب إصدار مواقف رفض حازمة، خصوصاً من مصر والأردن.
وتعود طروحات طرد الفلسطينيين إلى حقبة ما قبل النكبة سنة 1948، ولعلّ من أبرزها ما طرحه رئيس المنظمة الصهيونيّة العالميّة حاييم وايزمن سنة 1930 لترحيل العرب والفلسطينيين، مع عدد من المسؤولين والوزراء البريطانيين. ومن ثمّ اعتمدت قيادة «الهاغاناه» في 10 آذار 1948 الخطة «دالت» التي كانت وُضعت في العام 1942 وكانت ترمي إلى توسيع حدود الدولة اليهوديّة نحو ما يتجاوز حدود التقسيم، وأن يتمّ ذلك من خلال تدمير القرى العربيّة وطرد سكانها أو دفعهم إلى الفرار بأساليب مختلفة، بما يُتيح السيطرة الصهيونيّة على القرى والبلدات المختلفة.
وطبعاً، هناك الكثير من الأبحاث التي يُمكن الركون إليها في سياق دراسة ما قامت به العصابات الصهيونيّة، ومن ثمّ الحكومات الإسرائيليّة (التي تتصرّف بدورها كالعصابات)، لتهجير الفلسطينيين والاستيلاء على الأرض وتنفيذ مخطّطاتها التي تجهض كلّ مخطّطات إقامة الدولة الفلسطينية المستقلّة وعودة اللاجئين.
إنّ التصدّي لمشاريع التهجير هو حجر الزاوية للحيلولة دون تصفية القضية الفلسطينية تماماً وإدامة المشروع الإسرائيلي بكلّ ما يتضمّنه من مشاريع تقسيم وتفتيت للمنطقة برمّتها.