بمعزل عن نظريات بعضها محقّة، تشكك بكيفية حصول خرق من قبل "حماس" بهذا المستوى بمدّة ليست بقصيرة وعدم الردع السريع صباح 7 تشرين الأوّل، تشكّل كل أزمة أو حرب "نافذة فرص" window of opportunities للفرقاء المباشرين في النزاع أو حتى لأطراف لها دور غير مباشر.
تهدف إستراتيجية الحكومة الإسرائيلية الحالية الى منع إيران من الوصول إلى القنبلة الذريّة فتضحي تهديداً جدّيّاً لوجودها، مع العلم أن الصواريخ التي تتباهى بها إيران يُمكن صدّها من أينما إنطلقت (رأينا هذا الأمر مع صواريخ اليمن)، فلا تريد إسرائيل تثبيت معادلة توازن قوى تكون إيران الطرف الثاني فيها، فتقليم أظافر هذه الأخيرة يكون بالقضاء على "حماس" بدرجة أولى وربّما لاحقاً ضربة مباشرة لهضم المشروع النووي الذي تخشاه إسرائيل.
فضلاً عن ذلك، من الواضح أن السلطة الإسرائيلية قدّ تخلّت عن فكرة إقامة دولتين، وبالمناسبة يقضي قرار الأمم المتحدة رقم 181 الصادر عام 1947 بتقسيم فلسطين التاريخية الى دولتين لليهود والعرب، فالحكومة الحالية تطمح لإرساء، كما هو حاصل، نوع من نظام apartheid (نظام فصل عُنصري كان قائماً في جنوب أفريقيا قبل الأعوام تسعين ضد أصحاب البشرة الداكنة) يقوم على حصر الفلسطينيين في مناطق معينة تحت رقابة إسرائيل أو ما يعرف بحكم مدني (أكثر من 60٪ من الضفّة الغربية نموذجاً) تمهيداً لإجلائهم الى الأردن ومصر.
في الجانب الفلسطيني يبدو السؤال الأكثر رواجاّ هذه الأيام هو: اذا جنت "حماس" أو الفلسطينيين من هذه العملية؟ فقد حوّلت إسرائيل العملية الى ذريعة لجرائم حرب، إرتكابات وحشية، عدد ضحايا فلسطينيين يصل الى حدود الـ10 آلاف، دمار وهجرة الى جنوب القطاع، لكن الإجابة تكمن بإعادة القضية الفلسطينية الى النقاش العام. فالدول العربية والإسلامية في كثير من الأحيان تحركّها شعوبها، فما هي شعرة معاوية التي ستقطع هذا الجمود العربي؟ والى أيّ مدى تستطيع الأنظمة العربية البقاء بموقع الضعيف أمام شعوبها خصوصاً أنّ فلسطين هي قضية ذات بعد إسلامي عميق ورأينا كيف بدأ الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان باتخاذ مواقف تصعيدية، ومن يشاهد الإعلام الأردني أو المصري يعلم مدى القطيعة بين موقف السلام الرسمي وحقيقة الموقف الشعبي.
الكّل في مأزق، رأينا النقمة الداخلية على نتانياهو من أهالي الأسرى لدى "حماس"، حتى في أميركا تعلوا بعض الأصوات الجمهورية سائلة عن جدوى ما يحصل، فالاقتصاد الإسرائيلي في تدهور مخيف، ولا أحد قادر على ضمان شيء. بالأمس مستوطن على حدود لبنان عبّر عن خوفه من حصول 7 تشرين ثانٍ مصدره الجنوب اللبناني وأنّه لن يعود الى مستوطنته قبل إزالة "حزب الله". حتى أهالي غزّة و"حماس" هم أيضاً في ورطة، فخسائرهم بالبشر والحجر مهولة ومصيرهم مؤجّل حتى الساعة ومعهم مصير "حماس".
ليس بوسع "حماس" القيام بضربة قاضية على إسرائيل وهذا ثابت بمحدودية الردّ وخسارتها لعنصر المباغتة في ظلّ تفوّق واضح للجيش الإسرائيلي، وهذا الأخير أيضاً لن يتحمّل دخولاً برياً واسعاً الى غزّة وخسارات بشريّة في صفوفه فالحروب تُخاض بالبرّ، فهل تُشطب "حماس" ويصيب عصفورين بحجر واحد؟ هذا الأمر ما زال صعب المنال.
هنا دور روسي كثُر الحديث عنه، فموسكو تستفيد من ارتفاع أسعار الوقود، ومن انشغال الغرب إعلامياً وعسكرياً على جبهة أخرى ويبدو أنّها أعادت تعزيز سطوتها الميدانية في حربها في أوكرانيا.
الانتصار يكمن أحياناً كثيرة بعدم خوض الحرب، ويبدو الحسم بعيداً أقلّه بحسب الأجندات المُعلنة، أقصى ما ستصل إليه "حماس" هو مقايضة أسراها بالرهائن وأقصى ما ستناله إسرائيل هو حرب استنزاف لا أحد يعرف كيف تنتهي. باتت المعركة معركة سقوف، فمن ينزل عن الشجرة أولاً؟
في المفاوضات هناك مبدأ مفاده أنّ الطرف الثاني لا يخرج من الغرفة إلّا حين يشعر بسخونتها، فمن يخرج أولاً؟ وماذا ستكون انعكاسات مفاوضات الأرض على مفاوضات الغرف؟ حتى ذلك الحين فلننتظر، ونرى.