رواد مسلم

ما هدف "الدعم السريع" في السودان؟

4 دقائق للقراءة

ما زالت المواجهات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع تتمحور حول المناطق الحسّاسة في العاصمة الخرطوم، إضافة إلى المناطق الإستراتيجية في إقليم دارفور غربي السودان، فتهدأ أيّاماً قليلة قبل أن تتجدّد على نحو أشدّ وأوسع. وبات من الواضح أنّ نفوذ «الدعم السريع» العسكري يتوسّع في إقليم دارفور، خصوصاً بعد السيطرة على مقرّ قيادة الفرقة 16 مشاة التابع للجيش السوداني في مدينة نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور، ومقرّ قيادة الفرقة 21 مشاة في مدينة زالنجي بولاية وسط دارفور الأسبوع الماضي، والسيطرة على مقرّ قيادة الفرقة 15 مشاة في مدينة الجنينة عاصمة ولاية غرب دارفور منذ أيام عدّة، وأخيراً السيطرة على حامية ومنطقة أم كدادة في شمال دارفور بعد انسحاب الجيش والشرطة، وتستعدّ حاليّاً للتوجه إلى مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور.

بعد مرور أكثر من 200 يوم على اندلاع المواجهات بين الجيش السوداني و»الدعم السريع»، يتضّح أنّ مستقبل السودان قادم على التقسيم بالحسم العسكري لا السياسي، على غرار ما حصل في ليبيا واليمن، فـ»الدعم السريع» بقيادة اللواء محمد حمدان دقلو المعروف بـ»حميدتي»، تُريد بسط سلطتها على كامل إقليم دارفور، حيث البيئة الاجتماعية الحاضنة، إذ يُشكّل عرب دارفور العمود الفقري لـ»الدعم السريع»، ويبدو أنهم يعتقدون أن دورهم قد حان الآن لتولّي السلطة، خصوصاً بعد دورهم المحوري في مساعدة الجيش في محاربة متمرّدي دارفور في العقد الأوّل من القرن الحالي. وتكمن إحدى أعظم نقاط القوة لدى «الدعم السريع» في حقيقة أن «كتائبها» العديدة تتكوّن من أفراد من نفس العائلة أو المجموعة القبلية، لذا يُقاتل أفرادها بضراوة لحماية بعضهم البعض، وبذلك تكون مقبولةً من الشعب عند إستلامها السلطة، وتحسم عدم تكرار الإنقلاب على حكمها في المستقبل.

لم يتبق أمام «الدعم السريع» إلّا مدينة الضعين عاصمة ولاية شرق دارفور لتكون قد أحكمت سيطرتها على المدن الرئيسية الخمس في إقليم دارفور، الذي يتمتّع بكلّ المقوّمات الإقتصادية الأساسية ليكون مستقلّاً عن شرق السودان، فتعتبر مدينة نيالا ثاني كبرى مدن السودان بعد العاصمة الخرطوم من حيث الثقل السكاني والاقتصادي، وأهميّتها تنبع أيضاً من موقعها الإستراتيجي، حيث ترتبط بحدود مع دول أفريقيا الوسطى وتشاد وجنوب السودان، وفيها أكبر مناجم الذهب في الإقليم بمنطقة سونغو. وفي الإقليم مطاران يربطانه جوّياً بأفريقيا والعالم، الأوّل مطار الفاشر في ولاية شمال دارفور، والثاني مطار نيالا. وإذا ما تمّت السيطرة على شمال كردفان، حيث يوجد مطار الأُبيّض، سيكون الثالث الذي من الممكن أن ينضمّ لسلطة «الدعم السريع» السياسية. كما أنّ معظم أراضي الإقليم زراعية ما يُعطيها قيمة إقتصادية وتجارية وإمكانية الإستقلال الذاتي، فضلاً عن تميّز المناخ ليكون مناسباً لتربية الماشية والمتاجرة بها.

أمّا بالنسبة إلى الإشتباكات في العاصمة الخرطوم، فلها أسباب عدّة تخدم هدف «حميدتي». وتُسيطر «الدعم السريع» على أكثر المواقع الحسّاسة في الخرطوم، مركز الثقل الإستراتيجي للجيش السوداني، مثل مقرّ قيادة سلاح المدرّعات وغيره، وتُحاصر مقرّ قيادة الجيش الذي وبسقوطه بيدها سيعتبر نهاية سلطة الجيش وإستلامها من قبل «حميدتي»، ما دفع قائد الجيش عبد الفتاح البرهان إلى إعتماد بورتسودان عاصمة ولاية البحر الأحمر شرق البلاد، مقرّاً موَقتاً له ليُدير السلطة منها. كما تُحكم «الدعم السريع» الطوق حول مقرَّي سلاح الإشارة في الخرطوم بحري والمهندسين في أم درمان، وتُحاصر الفرقة الخامسة للجيش في الأُبيّض، وتُسيطر على مطار بليلة وحقلها النفطي في ولاية غرب كردفان.

هذا الإهتمام العسكري في العاصمة الخرطوم يخدم هدف «حميدتي» الأوّلي بقيادة إقليم دارفور قبل الإنتقال إلى المفاوضات الجدية في جدّة برعاية السعودية والولايات المتحدة، لكنّ التفوّق التكتي في العاصمة وحول النقاط الحاسمة الذي لم يتمكّن الجيش السوداني من صدّه رغم تفوّقه العسكري من خلال سلاح جويّ لا تمتلكه «الدعم السريع»، يزيد من طموح قيادة الأخيرة إلى تغيير الهدف ليُصبح تقسيم السلطة السياسية في الخرطوم، فضلاً عن إستلام السلطة كاملة في دارفور، مقابل حصر سلطة البرهان الكاملة على ولاية البحر الأحمر. فهل يتحقّق طموح «حميدتي» بفرض سلطة الأمر الواقع؟ وهل هذا حلّ دائم ونهائي لمسألة الإنقلابات المتكرّرة في السودان؟