يستعدّ الجيش الأوكراني لمواجهة الهجوم الجوي الروسي هذا الشتاء، بعدما استهدفت ضربات منهجية العام الماضي منشآت الطاقة الأوكرانية، ما حرم 12 مليون شخص من إمكانية الوصول إلى الطاقة أو محدودية الوصول إليها في ظلّ درجات حرارة منخفضة جدّاً لفترات طويلة، وكلّف الدمار بالمنشآت الإقتصاد الأوكراني ما يُقدّر بـ10 مليارات دولار، حسب تقرير «برنامج الأمم المتحدة الإنمائي». وبالفعل يُكثّف الجيش الروسي ضرباته الصاروخية وهجماته بطائرات بلا طيار على كييف والمناطق المجاورة، بعد 52 يوماً من الهدوء النسبي في العاصمة الأوكرانية، في استراتيجية عسكرية تهدف إلى شلّ أنظمة الدفاع الجوّي تمهيداً لضرب منشآت الطاقة الأوكرانية خلال فصل الشتاء قريباً.
إتّسمت الحرب في أوكرانيا باعتماد الجيش الروسي على الضربات الجوية لتغطية الجمود الميداني على الأرض، فكان استخدام الطائرات بلا طيار، خصوصاً الإنتحارية من طراز «شاهد 136» الإيرانية، والصواريخ البعيدة المدى، أبرزها «إسكندر أم» و»كينجال كي اتش 47»، ضدّ أهداف عسكرية ومدنية، من الركائز الأساسية للاستراتيجية الروسية الرامية إلى كسر إرادة الشعب والجيش الأوكرانيين على القتال، وذلك من خلال تعريض السكان والبنى التحتية للخطر، فقد اعتُبر الشتاء الماضي الأكثر تحدّياً في تاريخ نظام الطاقة الأوكراني، حيث أطلق الروس أكثر من 1200 صاروخ وطائرة مسيّرة على محطات الطاقة، والذي إذا تكرّر سينعكس ضغطاً معنويّاً على السلطة السياسية والعسكرية لوقف الحرب.
لمواجهة الأساليب الروسية، يُطالب الرئيس الأوكراني دول حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي مرّة جديدة بزيادة الدعم العسكري، خصوصاً بذخائر وأنظمة الدفاع الجوي، وسط مخاوف من أن الحرب بين إسرائيل والمقاومة الفلسطينية قد تصرف الانتباه عن الحرب في أوكرانيا. أمّا ميدانيّاً، فتلعب الدفاعات الجوية دوراً بارزاً في حماية المنشآت الحيوية، وقد قدّمت الدول الحليفة لكييف أنظمة دفاع جوّي عديدة ونجحت بشكل ملحوظ يصل إلى نسبة 90 في المئة، بتخفيف التهديدات الروسية، لكن لا تملك أوكرانيا العدد الكافي من هذه الأنظمة لتغطية كلّ أراضيها.
لدى أوكرانيا ثلاثة أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى من طراز «باتريوت أم أي أم 104» الأميركية، الذي يصل نطاق راداراته إلى أكثر من 160 كيلومتراً، وهو الأكثر إحتمالاً نشره في محيط المدن الإستراتيجية مثل كييف، وعلى الحدود الأوكرانية - الروسية لإعتراض الصواريخ الباليستية والطائرات المقاتلة والمسيّرات المتّجهة من الداخل الروسي إلى أوكرانيا، وقد أثبت هذا النظام فعاليّته أمام الصاروخ الفرط صوتي من طراز «كينجال» (الخنجر) الذي تتباهى روسيا بقدرته على الإفلات من صواريخ الدفاعات الجوية الغربية، ولكن بمساحة أوكرانيا الكبيرة وبتعدّد المواقع الإستراتيجية التي سينشر حولها بطاريات الباتريوت، لن تتمكّن ثلاثة أنظمة من تأمين الحماية الكاملة، كما أن كلفة كلّ نظام يفوق المليار دولار، وكلفة كلّ صاروخ حوالى 4 ملايين دولار، وبالتالي فإنّ الكلفة عالية بالنسبة للإستفادة الأميركية من هذا المبلغ في مواقع أخرى كالشرق الأوسط حاليّاً.
كذلك، يمتلك الجيش الأوكراني نظاماً واحداً من طراز «سامب تي» للدفاع الجوي الفرنسي - الإيطالي، الذي يصل مداه إلى 100 كلم. كما يمتلك أنظمة متوسطة وقصيرة المدى التي ينشرها في محيط المدن والقواعد العسكرية والنقاط الحسّاسة، مثل «ناسامز» الذي يصل مدى راداره إلى 50 كلم، وثلاثة أنظمة «آيريس تي» الألمانية التي يصل مداها الأقصى إلى 40 كلم، بالإضافة إلى أنظمة قصيرة المدى وقديمة منذ حقبة الاتحاد السوفياتي التي تستطيع روسيا من الإفلات منها مثل «بوك» و»أس 300». ويمتلك أيضاً مدرعات مزوّدة بمضادات للطائرات ألمانية الصنع من طراز «غيبارد».
لا شكّ في أن تحويل قسم من المساعدات العسكرية الغربية لإسرائيل سينعكس سلباً على الجهود الأوكرانية في مواجهة فائض القوّة الجوية الروسية، خصوصاً في مجال أنظمة الدفاعات الجوية الأميركية البعيدة المدى التي أعادت واشنطن تموضعها لمواجهة الصواريخ البعيدة المدى التي تطلقها الفصائل الموالية لإيران على القواعد الأميركية المنتشرة في الشرق الأوسط. كما أنّ عدداً من الدول الحليفة لكييف مثل فرنسا تُفضّل وضع صندوق دولي لمساعدة أوكرانيا لتمكينها من شراء الأسلحة بدلاً من إرسال الأسلحة كمساعدات. لذلك، يبقى على كييف الإستفادة بـ»الموجود»، كما الإستفادة من الخبرات التي اكتسبتها شركات الطاقة الأوكرانية والعاملون فيها في كيفية العمل أثناء الهجمات، فضلاً عن كيفية تجديد إمدادات الطاقة بسرعة، وتطوير سيناريوات مختلفة، ما يُساعد على تقليل آثار الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية العام الماضي.