جاد حداد

Robbie Williams... مناجاة فرديّة مملّة

25 تشرين الثاني 2023

02 : 00

في الوثائقي الجديد Robbie Williams على شبكة «نتفلكس»، يظهر ويليامز في معظم المشاهد، وتقتصر الشخصيات الرئيسية الأخرى على شريكه في كتابة الأغاني غاي تشامبرز الذي صوّر معظم اللقطات. وباستثناء ظهور عابر لزوجته آيدا فيلد، لا تشارك أي أسماء بارزة في العمل، بل يتكلم ويليامز عن نفسه بكل بساطة. هذا الوثائقي هو عبارة عن مناجاة فردية خانقة وذاتية تمتدّ على أربع ساعات، حيث يعرض روبي شخصياً ماضيه وحاضره، فيتطرق إلى حالات الاكتئاب والقلق والإدمان التي رافقت نجوميته الفائقة وطبعت حياته كلها على ما يبدو.

الوثائقي من إخراج جو بيرلمان (من أعماله Lewis Capaldi: How I’m feeling Now (لويس كابالدي: ما أشعر به الآن))، وهو يبدأ بعرض مقطع لفرقة «تيك ذات»، وهي «أشهر فرقة بريطانية منذ البيتلز»، كما تقول سيلا بلاك في أولى اللقطات القديمة التي يعرضها المسلسل، من دون تقديم أي معلومات عن طفولة ويليامز. قبل زواجه من آيدا، كانت حياته العاطفية مليئة بالغموض. تكثر الصور التي جمعته مع غيري هاليويل خلال عطلة أمضياها معاً في العام 2000، لكن لا يمكن التأكيد على ارتباطهما.

سنرافق ويليامز في رحلة واقعية لاستكشاف مسيرته الصاخبة. بعد ترك فرقة «تيك ذات» بسبب استيائه من النجم الذهبي غاري بارلو، سرعان ما ينغمس في حياة السهر والصخب طوال سنة. تتعثّر عودته الفردية بالشراكة مع تشامبرز في البداية، قبل أن يُحقّق نجومية هائلة. ثم يصبح نجماً كبيراً طوال عقد كامل، قبل أن يصاب بقلق يعيق حياته، فيوقف عروضه الفنية، ويواجه انتكاسة حادة، ثم يقابل آيدا ويتعالج، وينضمّ مجدداً إلى فرقة «تيك ذات»، وينجب الأطفال، ويسترجع أخيراً مسيرته المهنية السابقة ويثبت نفسه كموسيقي ناجح.

يستحيل ألا نقارن هذا المسلسل بوثائقي آخر بدأت «نتفلكس» تعرضه منذ أسابيع عن أسطورة بريطانية أخرى: ديفيد بيكهام. يقتصر فارق العمر بينهما على سنة تقريباً، وكان الرجلان كلاهما ينتميان إلى الطبقة العاملة الإنكليزية، وقد تعثّرا في المدرسة قبل أن يُحقّقا النجومية في سن المراهقة ويكتسبا شهرة هائلة وصادمة استغلّتها صحافة الفضائح الخطيرة بأسوأ الطرق. في ذروة نجاحهما، تحوّل الرجلان إلى انعكاس للثقافة السائدة. هما مثّلا طبيعة الثقافة البريطانية في أواخر التسعينات، لكنهما لا يزالان اليوم من أقوى الشخصيات التي تبثّ الحنين في نفوس جيل الألفية.

لكن تبقى الاختلافات بينهما بارزة. بيكهام رجل قليل الكلام، بينما لا يكفّ ويليامز عن الثرثرة ويتّسم بسرعة بديهة مميزة، حتى أن البعض قد يظنّ أنه كان ليصبح كوميدياً ناجحاً. كذلك، يتحرك بيكهام انطلاقاً من حبّه الرياضة، بينما لا يستمدّ ويليامز سعادته من الموسيقى التي يقدّمها على ما يبدو. في الوقت نفسه، تكثر الاختلافات بين الوثائقيَين. بيكهام رمز للمكانة الأسطورية التي يصل إليها لاعبو كرة القدم، وهو يتّكل على علاقاته العامة لتسويق اسمه، ويشكّل مادة ترفيهية دسمة للمشاهدين، وتشارك في الوثائقي الخاص به أسماء بارزة، وتُعرَض لقطات ممتعة من الأرشيف. أما مسلسل روبي ويليامز، فهو يحمل طابعاً معاكساً ويعرض لقطات قمعية وماسوشية عن مشاكل الماضي بدل التركيز على الإنجازات المهنية.

ربّما يتعلق السبب بالتناقض القائم بين الأجواء الاحتفالية المتوقّعة من هذا العمل والمذكرات المأسوية التي يعرضها المسلسل. سنشاهد ويليامز وهو في مزاج سيئ، فتصيبه نوبات هلع مريعة على المسرح. هو لا يحبّ الأعمال التي يقدّمها، ويفضّل الأغاني المبتكرة على الألحان الشعبية الشائعة، وغالباً ما تظهر تعاسته على شكل عدائية، وتقلبات مزاجية، ونزعة إلى توجيه انتقادات لاذعة إلى زملائه والصحافة طبعاً. سأله أحد الصحافيين يوماً عن المجال الذي كان ليعمل فيه لو لم يكن موسيقياً، فأجاب ويليامز بأسلوب فظّ: «مُزارع خنازير»!

لم يكن ويليامز يستطيع الهرب من مصيره. يذكر الوثائقي أن نجاح فرقة «تيك ذات» هو الذي زاد صدمته، لكنه لم يتمكّن من استرجاع توازنه إلا عبر زيادة شهرته وجذب الأضواء إليه. هو يخبر ابنته البالغة من العمر 10 سنوات أنها كانت الطريقة الوحيدة للانتقام من بارلو أيضاً. حتى أن تحضير هذا الوثائقي يثبت أن هدفه لم يتغيّر. كذلك، هو يلوم موجة نجاحه الثانية على الضغوط القوية التي واجهها كمغنٍّ منفرد، لكنه يعتبر تقاسم الأضواء مع بارلو، ثم تشامبرز الذي تخلّى عنه في العام 2002، مستحيلاً.

تطغى أجواء قاتمة على الوثائقي عموماً، لكن سرعان ما يتّخذ العمل منحىً مختلفاً مع صدور أغنية Rudebox في العام 2006. استهزأت بها الصحافة حينها، وشعر ويليامز بالذهول من سيل الانتقادات. لكنه تعامل بجدّية مفرطة مع هذه الأغنية السخيفة لدرجة أن تلك الأزمة كلها تبدو مضحكة، ولو عن غير قصد. يصعب أن نُحدّد موقفنا ممّا حصل: هل نضحك أم نبكي؟

من الأفضل على الأرجح أن يبقى موقفنا حيادياً لأن تداعيات الشهرة على المستوى النفسي ليست مضحكة بأي شكل، وقد يكون روبي ويليامز أفضل مثال على حجم الألم والإدمان الذي يطبع حياة المشاهير. قد يقدّم الوثائقي إذاً فرصة للتعمّق بهذا النوع من الكوارث. في الوقت نفسه، يبدو ويليامز شخصاً يصعب التعاطف معه. سيكون التواصل عاطفياً مع شخصٍ لا نشاهد غيره على مرّ الوثائقي أمراً شائكاً على نحو مفاجئ. إنه الاستنتاج الذي يمكن استخلاصه من هذا الوثائقي الضيّق الذي يعطي نتيجة عكسية في نهاية المطاف.