الياس دمّر

"ضحيّة" سينمائية جديدة: تطبيق "قانون المقاطعة" أم انتقائية؟

4 دقائق للقراءة

مرّة جديدة يعود الجدل في لبنان حول منع أو تأجيل عرض بعض الأفلام الأجنبية بحجّة ارتباط أحد العاملين فيها بإسرائيل أو حمله الجنسية الإسرائيلية. وآخر الأمثلة ما أثير حول فيلم "Masters of the Universe"، بعدما تبيّن أنَّ من بين مُنتجيه Ynon Kreiz، الرئيس التنفيذي لشركة الألعاب "Mattel" المالكة لحقوق الشخصيات والعلامة التجارية للفيلم.

السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس ما إذا كان القانون اللبناني يُجيز أو يمنع عرض هذا الفيلم، بل كيف يُمكن تفسير التفاوت في تطبيق المعايير نفسها من فيلم إلى آخر؟ فإذا كان وجود Ynon Kreiz في خانة المُنتجين كافيًا اليوم لإثارة الاعتراضات والمطالبة بالمنع، فكيف عُرض إذًا فيلم "Barbie" في الصالات اللبنانية عام 2023، رغم أنَّ Kreiz نفسه كان من بين منتجيه أيضًا بحكم موقعه التنفيذي في "Mattel"؟!

مفارقة تكشف مشكلة أعمق من مجرّد فيلم أو اسم مُنتِج، وهي غياب المعايير الواضحة والثابتة في التعامل مع الأفلام السينمائية الأجنبية. والقضية هنا لا تتعلق بموقف سياسي أو أخلاقي فحسب، بل أيضًا بمبدأ المساواة أمام القانون. فإذا كان المعيار هو وجود شخص إسرائيلي ضمن فريق الإنتاج، يُفترض أن يُطبَّق هذا المعيار على كل الأعمال ومن دون استثناء. أمّا إذا كان المعيار مختلفًا، فينبغي الإعلان عنه بوضوح للرأي العام!

واللافت أنّ "قانون مقاطعة إسرائيل" الصادر عام 1955 لا يتناول الأفلام أو الأعمال الثقافية بصورة مباشرة، بل يُركّز على حظر التعاملات والعقود والاتفاقات مع أشخاص أو هيئات مُقيمين في إسرائيل أو منتمين إليها بجنسيتهم، كما يشمل الشركات والمؤسسات التي تُعتبر واقعة ضمن نطاق المقاطعة وفقًا للآليات القانونية المعتمدة. لذلك، فإن تطبيق القانون على الأعمال السينمائية يبقى مرتبطًا بتفسير مدى انطباق أحكام "المقاطعة" على الجهات المُنتِجة أو المُموِّلة أو المالكة للحقوق، لا على مضمون الفيلم بحدّ ذاته.

من هنا تنبع أهمية وجود معايير ثابتة وواضحة. فإذا كان وجود شخصية إسرائيلية ضمن قائمة المُنتجين سببًا كافيًا لمنع عرض فيلم ما اليوم، فمن الطبيعي التساؤل عمّا إذا كانت المعايير نفسها قد طُبِّقت على أفلام سابقة توافرت فيها الظروف ذاتها. جوهر النقاش إذًا لا يكمن في تأييد "المقاطعة" أو معارضتها، بل في مدى اتساق تطبيق القانون بين حالة وأخرى.

أما الأكثر إثارة للاستغراب، أنّ النقاش لا يقتصر على الأفلام وحدها. فشركة "Mattel" نفسها، التي يُستند إلى اسم رئيسها التنفيذي اليوم للاعتراض على عرض فيلم "Master of the Universe"، لا تزال منتجاتها متوافرة بشكل طبيعي في الأسواق اللبنانية. ودُمى "Barbie" المنتشرة في متاجر الألعاب في مختلف المناطق اللبنانية تُباع منذ سنوات من دون أي إشكال يُذكر، رغم أنّها تحمل العلامة التجارية ذاتها وتعود إلى الشركة نفسها. فإذا كانت العلاقة مع "Mattel" أو مع رئيسها التنفيذي تُشكّل سببًا كافيًا لمنع عرض فيلم مستند إلى إحدى ملكياتها الفكرية، فكيف يُفسَّر استمرار تداول منتجات أخرى للشركة نفسها في الأسواق؟

هذا التناقض يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المعايير المعتمدة. فإما أنّ ثمّة تفسيرًا قانونيًا واضحًا يُميّز بين الفيلم والمنتَج التجاري، وعندها ينبغي شرحه للرأي العام، وإما أنّ القرارات تُتَّخذ انتقائيًا، ما يجعل من الصعب على المواطن العادي فهم الحدود الفاصلة بين ما هو مسموح وما هو ممنوع!

إنَّ الدفاع عن وضوح المعايير هنا لا يعني بالضرورة الاعتراض على مبدأ "المقاطعة" نفسه. فلكل دولة الحق في تطبيق قوانينها بما ينسجم مع سياساتها وخياراتها الوطنية. لكنَّ المشكلة تبدأ عندما يصبح القرار متبدلا بحسب الظرف الإعلامي أو حجم الضغوط أو المزاج الشعبي السائد، فتظهر حالات يصعب تفسيرها منطقيًا أمام الرأي العام. لذلك، السؤال الحقيقي الذي ينبغي طرحه اليوم ليس: لماذا يُمنع "Master of the Universe"؟ بل لماذا عُرض "Barbie"، إن كان السبب المُعلن للمنع اليوم قائمًا بالأمس أيضًا؟ ولماذا تبقى منتجات "Mattel" متاحة في الأسواق اللبنانية إذا كانت العلاقة بالشركة أو بقيادتها تُشكّل أساسًا للاعتراض على أعمالها؟

العدالة القانونية لا تُقاس بمضمون القرار فحسب، بل أيضًا بمدى ثباته واتساقه. وعندما يغيب هذا الاتساق، يصبح الجدل حول كل فيلم جديد مناسبة إضافية للتشكيك في مصداقية الآلية التي تُتَّخذ على أساسها قرارات المنع نفسها.