شربل داغر

جيل محسن إبراهيم

دقيقتان للقراءة

غاب محسن إبراهيم منذ ثلاثين عاماً، من دون أن يغيب تماماً.

غاب شخصاً وتنظيماً، منتقلاً الى ما يقترب من العمل السري للأحزاب.

غاب على أن تاريخه السياسي، بين نهاية الستينات ونهاية الحرب في لبنان، توزع في اسماء، في سير شخصية، في افكار، انتقلت مع كثيرين، بالآلاف، ممن انتظموا تحت قيادته، أو جاوروها، أو تابعوها عن قرب.

ومن يعُد، اليوم، الى اسماء مئات الكتاب والشعراء والفنانين والصحافيين، والجامعيين وعلماء الاجتماع والمسرحيين والسينمائيين والمطربين، وغيرهم الكثير، سيجد أنهم - حتى لو أنكر بعضهم - تتلمذوا في مدرسة معلم من دون صفوف، من دون كتاب، غير وثيقة المؤتمر التأسيسي لمنظمتهم في مطالع السبعينات.

من يفحص أسماء اللامعين واللامعات هؤلاء، بين مسيحيين ومسلمين في اصولهم، سيجد أن فيهم شيئاً من... محسن إبراهيم.

اسميه باسمه، فيما لي أن اسمّي كثيرين، أن اسمّي جيلاً متعدد الأصول والمشاريع والتوجهات تفاعل في تركيبة على مستوى لبنان، قلّ نظيرها في غيره من التنظيمات.

كان في اندفاعتهم اندفاعٌ "جِيْلي"، أي اجتماعي قدر ما هو ثقافي، حلمي قدر ما هو ضدي.

هذه الاندفاعة تعثرت في السياسة، بل ضلت الطريق، وتفرق الرفاق، ما عدا قلة منهم، فيما خلد ابو خالد الى الصمت... الثقيل بمعانيه حتى وفاته.

إلا أن ما حملته هذه التجربة المشتركة من قيم وسلوكات وتطلعات لم ينعدم، بل تحول، او تطبّع، بينما لا ينجح، في الحرب، ولا في السياسة، الألمعي، أو المثقف، بل صغار الكسبة في العنف والتزلف... فيما يبقى الوارث السياسي على كرسي أبيه.

لهذا، إعتزال محسن إبراهيم السياسي هو اعتزال شرائح عديدة. وهو غير بعيد، في معانيه العميقة، عن انكفاء "حركة الوعي" بدورها... فيما لا ينقطع كثير من "تحاليل" المنظمة السياسية عن الفعل والتأثير في القصيدة، والرواية، والبحث السياسي، والتاريخي وغيره.

لا شيء يغيب، او يختفي، لكن التاريخ - من دون شهادات، من دون سِيَر، من دون كتب - يبقى في تدافع الأيام وفي احاديث سِيَر أصحابه.

هزيمة هذا الجيل واسعة، ولو أن فيها أحلى ما أعطاه هذا البلد من أمل.