مريم سيف الدين

رئيس المحكمة الجعفرية في ندوة حول الحضانة: "أحكام الله" لن تتغيّر

30 تموز 2019

08 : 25

ندوة نقاش... ولا نقاش
مع ارتفاع نسب الطلاق في لبنان، تزداد معاناة النساء الناجمة عن تداعياته، وتحديداً تلك الناجمة عن تحديد سن حضانة الأم لأطفالها لدى الطائفة الشيعية بسنتين للذكر وسبع سنوات للأنثى. ولأن الموضوع ما عاد يحتمل التأجيل، وبات ضرره كبيراً جداً على النساء حدّ التعرّض للابتزاز والضغط والتعذيب الجسدي والمعنوي، ولأن الأصوات المطالبة برفع سن الحضانة لدى الطائفة الشيعية لا تلقى تجاوباً، قررت مبادرة "تعَ نحكي" التي أطلقها ناشطون جنوبيون دعوة رئيس المحاكم الجعفرية في لبنان، الشيخ محمد كنعان، إلى جلسة لفتح النقاش حول قضية الحضانة. لكن الشيخ محمد كنعان الذي سيّر الجلسة وفق شروطه وأغلق باب النقاش، قال كلمته ومشى قبل نصف ساعة من انتهاء الجلسة لتنأى المحكمة بنفسها عن حوار وهموم الناس، ولتلوّح بانسحابها من الدولة في حال مُسَّ بسلطتها التي تجسدها قوانين الأحوال الشخصية.



قبل بدء الجلسة، عصر السبت (27تموز) وصل الشيخ محمد كنعان إلى مطعم زيتونة غاردن على كورنيش صور البحري. دخل وعلامات التوتر وعدم الارتياح بادية على وجهه، اجتمع بالمنظمين وحدد شروطه تحت طائلة الانسحاب الفوري من الجلسة إن شعر بالإنزعاج، وأدت الشروط التي فرضها إلى تغيير برنامج الجلسة وموضوعها، لتلغى منه الفقرة التي خصصت لعرض تجارب أمهات ما زلن يناضلن من أجل حضانة أطفالهن. كما فرضت شروطه رقابة ذاتية دفعت بالحاضرين إلى تجنب إزعاج خاطر فضيلته كي لا يتهموا بإفشال اللقاء. فالشيخ أعلن عدم رغبته في سماع تجارب الأمهات، أو حتى أسئلة الحاضرين واستفساراتهم، ورفض الإجابة إلا على أسئلة "هادفة وموزونة" تكتب على ورقة. ورفض كنعان الدخول في أي نقاش حتى مع المحامي نجيب فرحات والاختصاصية في الطب النفسي لوسيان فرح ورئيسة فرع البقاع في التجمع النسائي الديموقراطي رولا زعيتر، بل طلب أن يتحدثوا جميعهم قبله ليتحدث هو من بعدهم ويرد عليهم دون أن تتاح لهم محاورته، وهكذا كان. وكان رئيس المحاكم الجعفرية في لبنان أعلن تمسكه بسلطته معتبراً أن أي مس بها هو مس بالعقد بين الطائفة الشيعية والدولة اللبنانية ويجعل الطائفة في حلّ من التزاماتها تجاه الدولة.



أمن الدولة مقابل خصوصية الطوائف

وقبل كلام كنعان، تحدث المحامي فرحات عن مسألة الحضانة من الناحية القانونية، وعبر عن وجوب وضع نصوص واضحة وملزمة للمحاكم تحدد سن الحضانة. ورأى فرحات أن مثل هذا الإلزام لا يوفِّره سوى نصّ يقرّه أو يجيزه مجلس النواب ويحقِّق مبدأ "الأمان التشريعي". واستبق فرحات استناد البعض إلى المادة التاسعة للدستور للتساؤل حول جواز تدخُّل السلطة التشريعية في أمور كهذه لا سيَّما في ظلّ أحكام المادة التي "تضمن للأهلين على اختلاف مللهم احترام نظام أحوالهم الشخصية"، فاستحضر جواب المجلس الدستوري في قراره 2/2000 تاريخ 8/6/2000 الذي قضى بأن هذه المادة لا تحجِب حق الدولة في سن التشريعات المختلِفة، "إذ أن هذا الحق هو من حقوق السيادة وسلطة التشريع هي سلطة أصلية ومُطلَقَة حصرها الدستور بهيئة واحدة دون غيرها وهي مجلس النواب سنداً للمادة 16 منه، هذا إضافة إلى أن تدخُّل السلطة التشريعية في هذه الميادين لا يتمّ أصلاً إلا بعد استطلاع رأي السلطات الدينيَّة بصورة إلزاميّة وهو ما كرَّسته على سبيل المثال أحكام المادة 3 من قانون تنظيم شؤون الطائفة الإسلاميَّة الشيعية رقم 72/67 التي أوجبَت استطلاع رأي المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى إلزامياً في مشاريع القوانين العائدة إلى الشؤون الدينيَّة للطائفة كالأحوال الشخصيَّة وغيرها". علماً أن مجلس النواب قد شرَّع سابقاً في ميادين الأحوال الشخصيَّة لبعض الطوائف ومنها قانون الأحوال الشخصية للطائفة الدرزية الصادر بتاريخ 24/2/1948 المُعدَّل العام 2017، والقانون رقم 177/2011 الذي عدَّل المادة 242 من قانون المحاكم الشرعيَّة كي تُجيز للمجلس الشرعي الإسلامي الأعلى إصدار نظام أحكام الأسرة لدى الطائفة السنيَّة المُتضمِّن رفع سن الحضانة .



حديث فرحات عن صلاحية مجلس النواب ودوره في تحقيق الأمان التشريعي، استدعى رداً صريحاً وحاسماً بل ويمكن وصفه بالخطر جداً من قبل كنعان. إذ اعتبر أن تدخل الدولة في تنظيم شؤون مواطنيها يهدد بحل العقد الموقع بينها وبين الطوائف، "فنحن نعيش في لبنان محكومين لدستور وقوانين ومراسيم وقرارات وأي إخلال في هذه الأمور ينسف وطناً بأكمله". ورأى كنعان أن الدولة اللبنانية بتأديتها فروض الإجلال لله أخرجت نفسها من علمانية ملحدة إلى علمانية مؤمنة. واعتبر الشيخ أن عبارة "الدولة تضمن للأهلين على اختلاف مللهم" ليست مادة دستورية فحسب بل مادة كيانية بنيوية تأسيسية بني عليها الوطن وبأنها تنظر إلى الطوائف ككتل. وتابع الشيخ كلامه الخطر: "دخلنا إلى المجتمع اللبناني كمسلمين شيعة بناءً على التزام نصه المادة التاسعة من الدستور، فأيها الحاكم خذ مني كمتدين أمناً على السلطة التنفيذية واعطني أمناً على خصوصيتي الثقافية، وأي إخلال يجعل جزءاً من اللبنانيين أو كلهم في حل من الالتزام بالعقد الاجتماعي لمصلحة أمراء الزواريب وتدعّش الفكرة". وتوجه كنعان إلى اللبنانيين الشيعة المعترضين على قوانين المحكمة الجعفرية بدعوتهم للمطالبة بأحكام مدنية "شرط أن ينتموا لطائفة تسمي نفسها الطائفة التاسعة عشرة، طائفة اللادينيين أو اللاأدريين. أما كمنظومة أن يكون لك الغنم من طائفتك وليس عليك تجاهها أي غرم فهذا يخل بمنظومة العدالة كاملة. أتتلبس لبوس طائفتك بما هو مغنم وتنقلب عليها في ما هو مغرم، هذا أمر لا يستقيم".



وفي مقابل دعوة كنعان هذه للشيعة المعترضين على أحكام محكمته بالخروج من ملتهم في حال لم يرغبوا بالخضوع لأحكام المحكمة الجعفرية الجائرة، أكد أنه كمسلم ملتزم بالتعاليم التي وضعها الرسول، في إشارة إلى ان في المطالب بتعديل قوانين المحكمة مسّاً بهذه التعاليم.


الشيخ محمد كنعان


واستكمالاً لمحاولته إحباط كل مطالبة بتعديل أي نص في قوانين الأحوال الشخصية لدى الطائفة الشيعية، استعان كنعان بالتاريخ، فروى أن المفوض السامي الفرنسي أصدر زمن الانتداب القرار 60 LR، "أشار القرار إلى مدنية في مكان ما من المادة العاشرة، ونص على أن يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى الطوائف المعترف بها ذات الأحوال الشخصية لنظام طوائفهم الشرعي في الأمور المتعلقة بالأحوال الشخصية ولأحكام القانون المدني في الأمور غير الخاضعة لهذا النظام، وقال: يخضع السوريون واللبنانيون المنتمون إلى طائفة تابعة للحق العادي وكذلك السوريون واللبنانيون الذين لا ينتمون لطائفة ما للقانون المدني. يومها نزل المسلمون السنة والشيعة إلى الشارع ما اضطر المفوض السامي إلى إصدار القرار 53 LR وقالت المادة الأولى منه أن القرار 60 LR والقرار 146 LR المتمم له لا يطبقان على المسلمين ويظلان غير مطبقين عليهم، إذاً هذه ليست محاولات جديدة وهذا تاريخ لبنان". كما وجه كنعان رسالة إلى الجمعيات والناشطين من دون أن يسميهم مشدداً على أنه "أبداً لن يكون الحكم الشرعي خاضعاً لحركة الميديا وحركة الإعلام والضغوطات، فهذا حكم الله وليس كلما بعق باعق ونعق ناعق ينبغي أن نغير له الحكم الشرعي".



وبالعودة إلى التاريخ أيضاً روى كنعان، في إطار دعوته لحصر النقاش بالعلماء، أنه سبق وحصل أن اختلف الشيعة في الأزمنة الماضية بين ما هو إخباري وأصولي، وعلى الرغم من أن الخلاف وقع بين النخب وكان علمياً بحتاً، غير انه أدى لسفك الدماء عندما نزل إلى القاعدة وتداولته الناس لخطأ ما جرى.



وعود مسكِّنة

وعلى الرغم من التصعيد والتهديد في خطاب كنعان الذي ربط بين مسألة الحضانة ومصير الكيان اللبناني، غير أن الشيخ حاول طمأنة الحاضرين إلى أن المحكمة ستتخذ خطوات إصلاحية. فأكد رئيس المحكمة الجعفرية أنهم يسعون إلى التخفيف من الأخطاء التي وصفها بالهامشية، وأكد إحالة موظفين إلى المجالس التأديبية وإلى النيابة العامة التمييزية بسبب ارتكاباتهم. ووعد كنعان أنه سيصار خلال الأسبوعين المقبلين إلى وضع دفتر شروط متكامل، على أن لا يقبل أي عقد في المحاكم إلا بعد اطلاع الزوجين على دفتر الشروط والذي يعود إليهما أن يقررا التوقيع على بنوده. وسيسمح الدفتر للمرأة أن تشترط بأن تكون وكيلة عن زوجها في تطليق نفسها فيما لو سجن الزوج أكثر من سنة، أو امتنع عن الانفاق أو غاب عنها أكثر من سنتين أو أساء معاملتها. كما لها أن تشترط أن تكون الحضانة لأولادها حتى بلوغهم الشرعي في حال الطلاق. ولها أن تشترط إكمال دراستها في مجال يحدده العقد. لكن ما أعلنه كنعان جديداً ليس بجديد ولا يضمن للمرأة أية حقوق. إذ وعلى الرغم من سماح القانون الحالي للمرأة بأن تشترط على زوجها ما تريد غير أن الضغط الذي تتعرض له يمنعها من فرض أية شروط. فضلاً عن أن بعض النساء يشكو من عدم أخذ المحكمة للشروط بالاعتبار. ويؤكد ذلك كلام كنعان نفسه، إذ أكد أنه لن يلزم أحداً بالحرص، "فإن لم يرغبوا بالاشتراط يصطفلوا فليس هناك قانون يحمي بمفعول رجعي، وعندما يأتي إليَّ إثنان لا يمكنني سؤالهما إن اشترطا شيئاً كي لا أخرّب العرس، فهذه ثقافة المجتمع". لكن فضيلته لم ينتبه الى أن ابنة التسع سنوات والتي يسمح بتزويجها تجهل معنى الزواج وبالكاد يسمح لها بالتوقيع على تعهد في صف الثالث الابتدائي. كما أن قانونه يظهر وكأنه الأقل حماية للمرأة إذا ما قورن بكثير من القوانين. فوظيفة القانون أن يحقق المصلحة العامة وأن تؤمن بنوده أفضل حماية ممكنة لا أن يحمّل المجبر عليه مسؤولية تداعياته.



كذلك، أعلن كنعان أنه سيطلق خلال الأشهر الستة القادمة لجاناً في المناطق مؤلفة من اختصاصيين نفسيين وخبراء شؤون حميمية وخبراء في معالجة الأطفال وخبراء إقتصاديين، وستتعاون المحاكم معهم وسيشترط أن يكون عملهم مجانياً. ويعد كنعان بأن يصبح لهذه اللجان مع الوقت رأي استشاري شبه ملزم للمحكمة. كما وعد بتفعيل نظام المأذونين قريباً بحيث لا يعود بإمكان أحد أن يجري عقد زواج أو يوقع طلاقاً إلا بإذن من المحكمة، لكن الأمر يتطلب تنسيقاً بين المحكمة الجعفرية والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وفق كنعان، "فنحن نحتاج إلى كولوكيوم مشيخي بصورة عاجلة".


يلفت موقع نداء الوطن الإلكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.