عبده جميل غصوب

"معالجة معزولة لا تفي بالحاجة"

مشروع قانون تخصيص إيرادات ضريبية لتمويل صندوق استرجاع الودائع

26 تشرين الثاني 2023

20 : 56

أثار مشروع القانون الذي يرمي الى تخصيص بعض الايرادات الضريبية المباشرة لتمويل صندوق استرجاع الودائع المزمع انشاؤه، ردّات فعل متعاكسة، فبعضهم من أيده وبعضهم الآخر من عارضه.



أ ـ في انتفاء وجود اي مبرر للمشروع

أبدى مؤيدو المشروع ما يلي:



هو لا يشكل فرض ضريبة، بقدر ما هو تفعيل جباية ضريبية مترتبة على الارباح الناتجة عن تسديد قروض بسعر صرف وبقيمة مختلفة عن القيمة الفعلية لدينهم وتخصيص ايرادادتها لانصاف وتعويض المودعين المحجوزة ودائعهم.



هذا التبرير ليس مقنعا للاسباب التالية:



لانه ينظر الى الوضع من منظار وضع واحد دون الاوضاع الاخرى، فيعتبر ان العلاقة محصورة بين " بائع الشيك المصرفي " المحرر من حسابه و" مشتريه " لغايات تسديد رصيد قرضه. ويضيف مؤيدو المشروع ان محرر الشيك المصرفي محجوزة ودائعه لدى المصرف. فالعلاقة ليست محصورة بين " بائع الشيك " و" مشتريه "، لان المصرف هو الطرف الثالث، فمن هي الجهة المستفيدة من الشيك ؟



ولكن، لا فائدة من الاجابة على هذا السؤال، لان البيع حصل بين فريقين بارادتهما المشتركة. وان المصرف موافق على الايفاء بهذه الطريقة. وليس "مشتري الشيك" مسؤولا عن حجز ودائع بائع الشيك، بل هناك مشكلة طويلة عريضة لم تعالج لغاية الآن. وقلنا مرارا ان معالجتها لا تتم بين المودعين والمصارف فقط، بل اننا امام جرم مدني ( على الاقل ) ثلاثة اطراف مسؤولة عنه بصفة تضامنية الدولة اللبنانية، مصرف لبنان والمصارف الخاصة المودعة الاموال لديها. واي معالجة تخرج عن هذا الاطار تكون ليس فقط جزئية، بل تغطية " خبيثة " للفريق غير الملاحق.



عارضنا وسنبقى معارضين وبشدة اكثر لاي ملاحقة جزئية في هذا الاطار.



هذا فضلا ان من سدد بسعر صرف أدنى من سعر الصرف الحقيقي، لم يكسب اي ربح، كي نأتي، و" نزيد الطين بلة " ونفرض عليه ضريبة على " ربحه " المزعوم !

ان من سدد رصيد قرضه بهذه الطريقة، انما فعل ذلك بالاستناد الى تعاميم مصرف لبنان وبعد موافقة ادارة المصرف.



وفي كل الاحوال، لسنا مع مؤيدي المشروع في قولهم ان كل " ربح " خاضع لضريبة، لان من أوفى دينه لم يكسب اي ربح، سوى انه أبرأ ذمته المالية. وان " بائع الشيك "، لا يمكن اعتباره خاسرا خصوصا وانه هو من اقدم بارادته الحرة على بيع الشيك. وكان بوسعه ان يحجم عن ذلك، وان يطالب باسترجاع ودائعه، مثله مثل سواه من المودعين.



اما الزعم بان هذه الضريبة المزعومة ستغذي صندوق دعم المودعين المحجوزة ودائعهم لدى المصارف، فتنطبق عليه مقولة " تغطية السماوات بالابوات " ! اذ انه ليس من أوفى دينه وفقا لهذه الشروط مسؤولا عن تغذية هذا " الصندوق" الذي لم يرَ النور لغاية تاريخه ! والفكرة هنا مردودة لسببين ان المشروع يرمي الى انشاء الضريبة، قبل نشوء " الصندوق " ! وان الاشخاص الذين تطالهم هذه الضريبة لم يكسبوا اي ربح، كما ذكرنا ، بل حرروا ذممهم من ديون، حولتها الازمة ـ وهم غير مسؤولين عنها ـ الى ذمم مستحيلة الدفع بعملة القرض !



فهؤلاء الاشخاص كانوا يسددون قيمة قروضهم بانتظام وبدون اي مشكلة لولا الازمة. وهم ضحايا تلك الازمة، ويجب التعويض عليهم وليس اشراكهم في التعويض على اصحاب الودائع المحجوزة.



هنا يجب ان نتكلم بلغة " التعويض " وليس بلغة " الربح والخسارة "، فالكل خاسرون، ما عدا من نهب اموال الشعب ونشر الفساد في الوطن والمجتمع.



ثم ان مؤيدي المشروع لم يروا الا هؤلاء الاشخاص الذين اوفوا ديونهم، ضمن " المعقول "؛ اذ انهم كانوا امام خيارين لا ثالث لهما: اما تسديد القروض عن طريق الشيكات المصرفية واما الامتناع عن تسديدها مع ما يستتبع ذلك من مشاكل ومعضلات.



لقد استعجل كثيرا وكثيرا اهل هذا المشروع في طرحه، بل الانطلاق منه ! قبل اي معالجة أخرى.



ربما كانوا على حق لو أتى هذا المشروع في اطار مشروع حل كامل وليس بصورته الجزئية، كما هو عليه الآن.



هذا المشروع يأتي في سياق سياسة منبوذة اعتمدتها الدولة اللبنانية وما زالت. هكذا فعلت في قوانين الايجارات الاستثنائية، عندما وضعت المؤجر بوجه المستأجر، تاركة اياهما "يتخابطان" وهي متفرجة عليهما. وهكذا فعلت ايضا في اوائل التسعينات عندما تركت فئة من المواطنين يذهبون ضحية التدني المخيف للقيمة الشرائية للعملة اللبنانية، بحجة ان اي قانون يعالج هذه المشكلة سيسيء الى سمعة العملة الوطنية !



وها هم اصحاب المشروع اليوم يكررون الخطأ ذاته.



ب ـ في كون المشروع يهدد مبدأ استقرار العلاقات القانونية



ان المشروع يهدد مبدأ استقرار الاوضاع القانونية، الذي هو من بين اهم المبادىء القانونية المعمول بها.

ان عملية بيع وشراء شيكات في سبيل تسديد قرض ما قد نمت. ولم يعترض عليها أحد. فلماذا "نبش القبور" والعودة الى الماضي لخلق مشكلة جديدة وليس لمعالجة مشــــكلة سابقة؟. ثم ان "مشتري الشيك"، ربما كان احجم عن شرائه لو كان يعلم بوجود ضريبة "تتربص" له ! هذا فضلا عن ان تمويل صندوق المودعين ممن اوفوا ديونهم بغير سعر الصرف الحقيقي، لا يشكل نمطا مقبولا في التشريع، بل كما ذكرنا اعلاه يأتي في اطار سياسة اعتادت عليها الدولة اللبنانية وهي حل مشكلة مواطن على حساب آخر!

ثم ان سياسة "من دهنو سقيلو" ليست سياسة حكيمة، بل يجب ان يأتي المشروع اذا كان لا بد منه في اطار مشروع حل كامل للنهوض بالاقتصاد. وهذا ما لم ولن يحصل الا بوجود حل وطني ( وليس سياسيا فقط ) لازمة طالت وتفاقمت واصبحت تهدد الكيان والمصير؛ فيأتي المشروع كمن " يرشق حجرة " اضافية على كيان الوطن ليس اكثر.



ج ـ المشروع تطويع للقوانين الضريبية وليس تطبيقا لها


اذا كان صحيحا ان المشروع يتفق مع المفهوم الشكلي للضريبة، فانه يخالف تماما الغاية منها.


هذا من جهة، ومن جهة أخرى، للقول بان المشروع هو تفعيل وتطبيق لقانون الضريبة، يستوجب في مرحلة أولى اعتبار ان من أوفى بغير سعر الصرف الحقيقي قد كسب منفعة او ربحا. وهذا كما ذكرنا غير صحيح هو لم يكسب شيئا سوى انه ابرأ ذمته. وابراء ذمته لم يشكل له اي مكسب يستأهل فرض ضريبة عليه، خصوصا وانه لولا الازمة، التي هو غير مسؤول عنها، لما كان مضطرا الى كل هذه المعالجات، بل انه كان سيسدد اقساطه بشكل طبيعي. هذا علما بان من استفاد من هذه الطريقة في الايفاء لم يكن متخلفا لحظة واحدة عن ايفاء ديونه قبل الازمة. وهذا شرط جوهري لقبول الايفاء الذي لم يحصل بصورة تلقائية، اوتوماتيكية، بل بناء على طلب المقترض وموافقة ادارة المصرف التي كانت تدرس وضع كل عميل على حدة، خصوصا التزامه سابقا بتنفيذ التزاماته تجاه المصرف كليا؛ وهذا شرط ضروري لموافقة المصرف على الايفاء عن طريق الشيك.



د ـ في كون المشروع ينعكس سلبا على الاقتصاد الوطني العام


ان المشروع، المطروح بصورة جزئية وبمعزل عن اي حل شامل للازمتين الاقتصادية والوطنية ( البعض يسميها السياسية ) سيكون مشكلة اضافية، وليس حلا، لانه سيشكل حجرة عثرة امام اي خطة.


اما زعم مؤيدو هذا المشروع، بانهم يسعون الى جملة امور مثل وضع مشروع كابيتال كونترول وقانون يرمي الى استرداد الودائع المحولة الى الخارج وقيامهم ببعض الملاحقات القضائية الخ. فليس صحيحا على الاطلاق لاننا لغاية الآن لم نشاهد منها سوى ملاحقات قلنا ونكرر انها لم تكن في محلها القانوني الصحيح، ونسأل الآن: اين اصبحت ؟!



ثم ان كل هذه الحلول المزعومة لم ترَ النور لغاية تاريخه ! فلماذا الاستعجال ثم الاستعجال ثم الاستعجال لخلق هذا المشروع في ولادة قيصرية سوف تقضي حتما على المشروع المولود ! لانه مجرد خطوة منعزلة عن الحل الشامل؛ لن تأتي بثمارها لا الآن ولا مستقبلا.



هـ ـ في ضرورة التنسيق مع الهيئات الاقتصادية


من الضرورة، في مشاريع كالمشروع موضوع بحثنا الحاضر ان يتم التنسيق مع الهيئات الاقتصادية. والا يكون المشروع " ارتجاليا " وغير مدروس؛ فالهيئات الاقتصادية هي حجر الزاوية في اقتصادنا الحر. لا اعلم لماذا البعض يحاول دائما تجاوزها او حتى معاداتها !



لقد عارضت الهيئات الاقتصادية هذا المشروع. وهي على حق فيما ذهبت اليه. ونحن نؤيدها في معارضتها له. ونصر على التنسيق معها في اي خطوة مستقبلية في هذا الشأن.



في الخلاصة، يبقى المشروع مجرد معالجة جزئية فاشلة ! عارضناه وسنبقى معارضين له، اذا لم يكن ثمرة خطة كاملة يشترك الجميع في اعدادها. لقد آن الاوان، ان نقلع عن هذا النهج في التشريع. وان نعمد الى اقتراح حلول عامة شاملة؛ والا لن نرى المشروع سوى تبرئة ذمة من نهب اموال الشعب وترك المواطنين " يتخابطون " ببعضهم، كما عودنا اهل السلطة في لبنان.



فاذا كان صحيحا بان استرجاع الودائع هو مطلب مقدس، فالصحيح ايضا بان هذا الموجب ليس على عاتق المواطن الذي اوفى دينه وباي طريقة كان، وفقا لما هو مبسوط اعلاه.

ثم ان مشاريع الحلول لا تضعها لجان، لسنا متفقين معها دوما، بل تكون ثمرة عمل الجميع، لا سيما الهيئات الاقتصادية المستبعدة لغاية الان.



في 25 تشرين الثاني 2023




**عبده جميل غصوب: دكتور في الحقوق، بروفسور لدى كليات الحقوق، محام بالاستئناف لدى نقابة المحامين في بيروت، مستشار قانوني في الامارات العربية المتحدة ـ دبي ، خبير قانوني دولي معتمد لدى عدة منظمات قانونية دولية، كاتب قانوني وباحث.