أغاثي ديماري

عواقب غير مقصودة للاستيلاء على الأصول الروسية

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

البنك المركزي الروسي في موسكو - 26 ايار 2022

منذ بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، بدأ الخبراء يفكرون بصوابية أن تستولي الحكومات الغربية على احتياطيات البنك المركزي الروسي المودعة في الغرب. سبق وأصبحت هذه الأصول التي تصل قيمتها إلى 300 مليار دولار مجمّدة. لكن يتمحور النقاش الآن حول الاستيلاء على تلك الأرصدة وتحويلها إلى أوكرانيا لتمويل جهودها الحربية أو إعادة إعمار البلد. على غرار عدد كبير من النقاشات الحاصلة بشأن روسيا، أصبح هذا النقاش مثيراً للانقسام، إذ يطرح معسكران أساسيان وجهات نظر لا يمكن التوفيق بينها على ما يبدو. من جهة، يوضح الفريق الذي يؤيّد الاستيلاء على أصول الدولة الروسية أن الجانب الأخلاقي لهذه الخطوة قوي ومبرّر. ومن جهة أخرى، يبدي عدد كبير من الخبراء القانونيين تحفظات جدّية حول شرعية هذا المسار. لكنّ التركيز على الحجج الأخلاقية والقانونية يطمس المشهد العام: يترافق الاستيلاء على احتياطيات البنك المركزي الروسي مع تداعيات اقتصادية، ومالية، وجيوسياسية، ويُفترض أن يأخذها المعنيون بالاعتبار لاتخاذ قرار متوازن في هذا النقاش الشائك.



1- تعريف المفاهيم مهم: لن يكون الاستيلاء على احتياطيات البنك المركزي الروسي شكلاً من العقوبات


العقوبات سياسات مؤقتة تترافق مع مشاكل اقتصادية وتهدف إلى إحداث تغيير في تصرفات الجهة المستهدفة. هي تشمل مجموعة من العقوبات والمكافآت في آن، وتكون مُصمّمة كي يتم رفعها عندما تعطي مفعولها. تهدف العقوبات المفروضة على موسكو بالذات إلى إضعاف قدرة روسيا على شن الحرب، من خلال كبح عائدات البلد من صادرات الهيدروكربون مثلاً. لهذا السبب، لا ينطبق تعريف العقوبات على عملية الاستيلاء على الأصول الروسية. ستكون هذه الخطوة دائمة وعقابية ولن تؤثر على ميزانية موسكو مباشرةً. لا تُستعمل احتياطيات البنك المركزي لسدّ العجز المالي، بل لدعم العملات.

2- مصادرة الأصول الروسية لن تُحدث فرقاً مالياً كبيراً بالنسبة إلى الكرملين

سبق وأصبحت مقتنيات البنك المركزي الروسي مجمّدة، وتنعدم الفرص التي تسمح للكرملين باسترجاعها طالما تستمر الحرب. إذا لم تُنقَل الاحتياطيات الروسية إلى أوكرانيا تزامناً مع استمرار الحرب، يرتفع احتمال أن تصبح هذه الأصول جزءاً من التعويضات التي ستضطر موسكو لدفعها في نهاية المطاف كجزءٍ من اتفاق سلام مع كييف. هذا الوضع يفسّر السبب الذي جعل بعض صانعي السياسة، أبرزهم وزير الخزانة الأميركي السابق لاري سامرز ورئيس منظمة التجارة العالمية السابق روبرت زوليك، يعتبرون نقل الأصول على شكل ودائع مقابل التعويضات المستقبلية خطوة منطقية.

3- من المستبعد أن يؤجج الاستيلاء على الأصول الروسية جهود إزالة الدولرة حول العالم

يفترض معارضو الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية أن هذه الخطوة قد تسرّع محاولات الاقتصادات الناشئة للتخلي عن العملات الغربية (تُعرَف هذه العملية باسم «إزالة الدولرة»). لكن تُعتبر هذه الفكرة مقنعة جزئياً: إزالة الدولرة نزعة بنيوية طويلة الأمد، وهي تسبق فرض العقوبات على روسيا. تكشف بيانات البنك المركزي الأوروبي والاحتياطي الأميركي الفدرالي أن الجهود العالمية لإزالة الدولرة لم تتسارع بوتيرة فائقة منذ بدء الغزو الروسي ضد أوكرانيا، لا على مستوى العملات المستعملة في التجارة (يطغى الدولار واليورو حتى الآن)، ولا على مستوى المشتريات الخارجية للأوراق المالية الأميركية (لا تزال مستقرة بشكل عام).

4- نقل الاحتياطيات الروسية يتطلب تعاوناً من شركة «يوروكلير»


تتألف معظم الاحتياطيات الروسية المجمّدة من سندات حكومية أوروبية تُحفَظ على شكل إلكتروني. تحتفظ شركة «يوروكلير» البلجيكية بثلاثة أرباع الأصول، علماً أن هذه الشركة تُعتبر مخزناً جديراً بالثقة للأوراق المالية العالمية. تسيطر «يوروكلير» وثلاث شركات غربية أخرى («كليرستريم» في لوكسمبورغ، و»دي تي سي سي» في الولايات المتحدة، و»جاسديك» في اليابان) على السوق العالمي المرتبط بهذا النوع من الخدمات، وهي تشكّل محور بنية السوق المالي العالمي. عملياً، يتطلب نقل الاحتياطيات الروسية إلى أوكرانيا تعاوناً من شركة «يوروكلير».

5- استعمال القنوات المالية الغربية مثل «يوروكلير» كسلاح بحد ذاته يعزز التجزئة المالية

في العام 2012، عزلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي إيران من نظام «سويفت» الذي يربط البنوك حول العالم ومقره بلجيكا. شكّلت تلك الخطوة نقطة تحوّل محورية بالنسبة إلى عدد كبير من الدول المارقة التي بدأت تُصمم آليات مالية بديلة بطريقة تجعلها مقاوِمة للعقوبات. إذا قررت شركة «يوروكلير» تسهيل الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية، قد تلاحظ الاقتصادات الناشئة أن مخازن الأوراق المالية الغربية أصبحت غير موثوق بها، على غرار «سويفت». نتيجةً لذلك، قد تصبح البدائل غير الغربية عن شركة «يوروكلير»، مثل غرفة إيداع الأوراق المالية والمقاصة الصينية، أكثر جاذبية بالنسبة إلى الاقتصادات غير المنتسبة إلى مجموعة السبع، ما يؤدي إلى تعزيز التجزئة المالية.

6- التجزئة المالية تُضعِف فعالية العقوبات على المدى الطويل


توضح مخاطر إضعاف الثقة بالقنوات المالية الغربية السبب الذي يجعل الولايات المتحدة ترفض التحرك وحدها لمصادرة الاحتياطيات الروسية: تفضّل واشنطن على الأرجح أن تنشر ردود الأفعال السلبية التي تُحدِثها هذه الخطوة وسط حلفائها الذين يحملون عقلية مشابهة لها. بصورة عامة، تترافق التجزئة المالية مع عواقب هائلة. مع مرور الوقت، يجازف توسّع الآليات المالية البديلة بتجريد العقوبات الغربية من فعاليتها. حتى أنه قد يُصعّب على الأجهزة الأمنية الغربية تعقّب الصفقات المالية التي تقوم بها جماعات متورطة بأعمال إرهابية أو بنشر الأسلحة النووية.

7- الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية قد يصبح سيفاً ذا حدّين بالنسبة إلى كييف

لا شك في أن تلقي 300 مليار دولار (حوالى ضعف الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني راهناً) سيساعد كييف على تمويل جهودها الحربية. لكن لا بد من مراعاة عاملَين آخرَين على المدى الطويل. أولاً، من الأسهل على السياسيين الأميركيين المؤيدين لإنهاء الدعم المالي لأوكرانيا أن يدعموا وجهة نظرهم إذا أوضحوا أن كييف تلقّت للتو مبالغ مالية طائلة. ثانياً، يعني تلقي تلك الاحتياطيات وإنفاقها اليوم حرمان كييف من خيار استعمال تلك الأصول كورقة مساومة في أي مفاوضات سلام.

8- الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية يجازف بتأجيج مشاعر البغض ضد الدول الغربية

خارج البلدان الغربية، تطغى الفكرة القائلة إن الحرب في أوكرانيا يجب أن تتوقف في أسرع وقت ممكن، حتى لو عنى ذلك أن تتنازل كييف عن جزء من أراضيها. تشتق هذه الفكرة جزئياً من حملات التضليل الروسية الناجحة في الدول غير الغربية، لا سيما في أفريقيا. لكن يعكس هذا الرأي أيضاً تصاعد مشاعر البغض ضد البلدان الغربية. يتابع العالم عن قرب النقاش المرتبط بالاحتياطيات الروسية، وقد يؤجج هذا الجدل تلك المشاعر السلبية. بدأ صانعو السياسة في بعض الاقتصادات الناشئة يُعبّرون عن تحفظاتهم بشأن مصادرة تلك الأصول.

9- مصادرة الأصول الروسية قد ترسّخ مبدأ المعايير المزدوجة

يكشف الجدل المحتدم بشأن شرعية الاستيلاء على الاحتياطيات الروسية أن هذه الخطوة لن تكون مباشرة أو بسيطة بموجب القانون الدولي. ترسّخ هذه الخلافات، بغض النظر عن نتائجها، المفهوم القائل إن الدول الغربية تحبّذ تعديل النظام الدولي الليبرالي إذا كانت هذه الخطوة تتماشى مع أولوياتها، فتعمد مثلاً إلى إقرار تشريع جديد يهدف إلى مصادرة الاحتياطيات الروسية. سبق وأقدمت كندا على هذه الخطوة. هذا الوضع يقنع المنتقدين بأن الغرب يستعمل معايير مزدوجة في أوكرانيا، فيبدي ردة فعل قوية تجاه أي حرب قريبة منه مقارنةً بالحروب الحاصلة في أماكن أخرى.

10- مصادرة الاحتياطيات الروسية قد تطلق سابقة تستفيد منها بكين وجهات أخرى

الدول الغربية محقة في دعم كييف من الناحية الأخلاقية، وسيكون انتصار روسيا كارثة كبرى على كل من يدعم القيم الغربية الليبرالية. لكن لا شيء يمنع الصين أو الهند أو أي اقتصادات ناشئة أخرى من اعتبار نفسها محقة أخلاقياً حين تقرر دعم صراع مستقبلي محتمل بينها وبين الدول الغربية (بسبب تايوان مثلاً). إذا اتخذت الديمقراطيات الغربية خطوة غير مسبوقة وقررت الاستيلاء على الأصول الروسية، كيف ستقنع هذه الدول الآخرين بأن الصين أو الهند لا يحق لهما مصادرة الأصول الغربية حين ترغب في ذلك؟



هل سيكون الجدل المرتبط بالاحتياطيات الروسية قوياً بالقدر نفسه لو كانت المخاطر المطروحة أصغر حجماً؟ قد تصبح مصادرة تلك الاحتياطيات خياراً مغرياً بسبب حجمها الهائل. لكن سيترافق الاستيلاء على احتياطيات النقد الأجنبي الخاصة بالبنك المركزي الروسي مع عواقب كبرى وغير مقصودة على المستويات الاقتصادية، والمالية، والجيوسياسية. ربما تتفوق الحجج الأخلاقية التي تؤيد مصادرة تلك الأصول على العواقب المحتملة. لكن سيكون الاعتراف بهذه التداعيات أول خطوة للتوصل إلى استنتاج متوازن في هذا الجدل الشائك.