مايكل هيرش

هنري كسنجر... تأثير كبير لمبتكر "الدبلوماسية المكوكية"

2 كانون الأول 2023

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

جو بايدن وهنري كسنجر - كانون الثاني 2007

هنري ألفريد كسنجر، الذي توفي أول من أمس عن عمر يناهز المئة هو واحد من أكثر رجال الدول تأثيراً في تاريخ الولايات المتحدة. مسيرته طويلة ومضطربة شارك خلالها في تحقيق عدد من أعظم انتصارات السياسة الخارجية الأميركية، لكنه كان جزءاً من أسوأ إخفاقاتها أيضاً.

كان كسنجر لاجئاً من مواليد ألمانيا، وقد جاء إلى الولايات المتحدة في عمر الخامسة عشرة. تُنسَب إليه مجموعة من أفضل الإنجازات الدبلوماسية منذ الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك انفراج العلاقات مع الاتحاد السوفياتي للحفاظ على السلام خلال الحرب الباردة، وتغيير شروط الصراع الذي امتدّ على أربعين سنة، بالتعاون مع الرئيس ريتشارد نيكسون، عبر تجديد العلاقات مع الصين الشيوعية في العام 1972.

جمع كسنجر بين دورَين متزامنَين، فكان مستشار الأمن القومي في عهد نيكسون ووزير الخارجية الأميركي، ويمكن اعتباره أيضاً أنجح مفاوض في الشرق الأوسط على الإطلاق، فهو ابتكر فن «الدبلوماسية المكوكية» التي أنتجت أربع اتفاقيات بين العرب وإسرائيل. يكتب المفاوض المخضرم في الشرق الأوسط، مارتن إنديك: «نجح كسنجر بهذه الطريقة في ترسيخ نظام جديد تقوده الولايات المتحدة في ذلك الجزء المضطرب من العالم، وحدّد أسس السلام بين العرب وإسرائيل».

لكن كان كسنجر مكروهاً من البعض أيضاً، لا سيما الليبراليين، لأنه لجأ برأيهم إلى مقاربة وحشية لاستعمال القوة الأميركية، ما أدى إلى مقتل عدد هائل من الناس. دعم كنسجر، حين كان مستشار نيكسون، قصف كمبوديا الكارثي الذي مهّد لظهور نظام «الخمير الحمر» وإقدامه على ذبح أكثر من مليون شخص بطريقة هجمية. وبعد الغزو الأميركي لكمبوديا، أنهى كسنجر محادثات السلام مع فيتنام، ما جعله يفوز بجائزة نوبل للسلام، لكنه سهّل في النهاية سيطرة شمال فيتنام بطريقة مهينة بعد سنتين فقط على أسوأ هزيمة أميركية في الحرب حتى تلك المرحلة.

كذلك، أيّد كسنجر الانقلاب ضد الرئيس المُنتخب سلفادور أليندي في تشيلي، في العام 1973، مع أنه أغفل عن الإبادة الجماعية المرتكبة في بنغلادش في العام 1971. دعم نيكسون وكسنجر الجنرالات الباكستانيين أيضاً حين حاولوا منع استقلال شرق باكستان (أصبحت بنغلادش لاحقاً) وقرّرا تسليحهم، بما يخالف بنود القانون الأميركي، ثم أشرفا على المذبحة الجماعية وعمليات الاغتصاب بحق البنغاليين.

وُلِد هذا الدبلوماسي الكبير باسم هاينز كسنجر في مدينة «فورث» الألمانية، في 27 أيار 1923، ولطالما طارده تفكيك جمهورية فايمار في ألمانيا وظهور النازيين الذين قتلوا عدداً كبيراً من أفراد عائلته. بعد نفيه إلى الولايات المتحدة، احتضن بلده الجديد بحماسة قوية، لكنه لم يتخلَ يوماً عن إعجابه بالواقعية السياسية على الطريقة الأوروبية ولم يخسر لكنته البافارية البارزة في أي لحظة.

كان كسنجر نجماً أكاديمياً في جامعة «هارفارد»، وقد اشتهر بعبقريته وطموحه وبراعته في كسب ثقة القادة الأميركيين الصاعدين، بدءاً بجون كينيدي، ثم نيلسون روكفيلر، وأخيراً نيكسون. اشتهر كسنجر بطباعه الحادة في أوساطه الخاصة، ولطالما سعى إلى تهميش خصومه من أمثال ويليام روجرز، أول وزير خارجية في عهد نيكسون.

اعتُبِر كسنجر أكثر مسؤول واقعي في الولايات المتحدة، وأثبت أيضاً أنه محق في تشكيكه بالمثالية الويلسونية التي غيّرت وجه العالم ولطالما طبعت السياسة الخارجية الأميركية (إنها الفكرة القائلة إن واشنطن تستطيع تغيير نظام العالم لجعله على صورة الولايات المتحدة).

لكن كانت نظرته صائبة على أكمل وجه حين شكك بعد الحرب الباردة بأن تصبح الديمقراطية الحل الشافي لجميع المشاكل. توقّع كسنجر ألا تؤدي نهاية الحرب الباردة إلى انتصار الرأسمالية الديمقراطية الليبرالية التي تقودها الولايات المتحدة.

اتّضح هذا الواقع تحديداً في الصين، البلد الذي يعرفه كسنجر على أكمل وجه، فقد أثبتت التطوّرات خلال العقد الأخير صوابية تقديراته. سعت الإدارات الأميركية المتعاقبة، بدءاً بإدارة بيل كلينتون، إلى دمج الصين مع نظام الأسواق العالمية والديمقراطيات الناشئة التي ظهرت بعد الحرب الباردة. اعتبر كسنجر هذه المقاربة «حلماً أميركياً قديماً لتحقيق السلام عبر استمالة الخصوم». لكن أصبحت الصين وروسيا بعد الحقبة السوفياتية القوة الدافعة وراء حقبة جديدة من الاستبداد وانتهاك حقوق الإنسان.

لطالما اقتنع كسنجر بأن المقاربة المنطقية الوحيدة للتعامل مع الصين وقوى رائدة أخرى تقضي بتطبيق مبدأ الواقعية السياسية الذي لا يهدف إلى حلّ مشاكل العالم بطريقة مثالية، بل يسعى إلى التحكّم بها عبر مقاربة حذرة تناسب ميزان القوى المتبدل.

حدّد كسنجر بنفسه معنى هذه الفلسفة الواقعية في كتابه العبقري Diplomacy (الدبلوماسية) من العام 1994، فكتب فيه: «الأنظمة الدولية غير مستقرة. يُعبّر كل «نظام عالمي» عن سعيه إلى الصمود الدائم... لكن لا تكفّ العناصر التي يتألف منها عن التبدل. تنكمش مدة الأنظمة الدولية مع كل قرن جديد».

ينطبق كلامه على أحداث القرن الواحد والعشرين بكل وضوح. أضاف كسنجر: «لم يسبق أن تغيرت عناصر النظام العالمي، وقدرته على التفاعل، وطبيعة أهدافه، بهذه الوتيرة السريعة، أو بهذا الشكل العميق، أو على مستوى العالم أجمع».

كان كسنجر، في المرحلة الأخيرة من حياته، يخشى أن تجازف واشنطن بعزل نفسها نتيجة مقاربتها الصدامية مع الصين وروسيا لأسباب أخلاقية أو إيديولوجية، وأن يتجدد التحالف القديم بين بكين وموسكو. في العام 2018، يقال إنه أوصى الرئيس السابق دونالد ترامب بمحاولة التعاون مع روسيا للتصدي للصين.

في الوقت نفسه، حذر كسنجر واشنطن من مواجهة مخاطر تفوق تهديدات الاتحاد السوفياتي إذا قررت إطلاق حرب باردة ضد الصين، فقال في أيار 2021، في منتدى «سيدونا» التابع لمعهد «ماكين»، إن الاتحاد السوفياتي «لم يكن يملك قدرات تكنولوجية قيد التطوير بقدر الصين. الصين قوة اقتصادية ضخمة، ويضاف هذا الجانب إلى قوتها العسكرية الكبيرة».

حذر كسنجر مجدداً من الحماسة المثالية المفرطة تجاه تغيير العالم نحو الأفضل في واحدة من آخر مقالاته في مجلة «إيكونوميكس»، بعد الانسحاب الأميركي المهين من أفغانستان، فاستذكر فشل البلد السابق في جهود مكافحة التمرد في فيتنام ووضع إخفاقات واشنطن في سياق يناسب تعامله الدائم مع السياسة الخارجية، فكتب ما يلي: «الولايات المتحدة أرهقت نفسها وهي تحاول مكافحة التمرد بسبب عجزها عن تحديد أهداف قابلة للتحقيق وربطها ببعضها البعض بطريقة مستدامة عبر عملية سياسية أميركية واضحة. كانت الأهداف العسكرية غامضة وغير قابلة للتنفيذ، وبدت الأهداف السياسية مبهمة وبعيدة المنال أيضاً. أدّى الفشل في ربط تلك الأهداف ببعضها إلى توريط الولايات المتحدة في الصراعات من دون تحديد نقاط نهائية واضحة، ما جعلنا نتخلى داخلياً عن هدفنا الموحّد بسبب مستنقع من الخلافات المحلية».

تابع كسنجر جهوده الحثيثة في هذا المجال، فحاول تحديد خصائص العالم حتى النهاية عبر سلسلة كتابات بلغت ذروتها في العام 2021، مع صدور كتاب The Age of AI (عصر الذكاء الاصطناعي) الذي شارك في كتابته مع الرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل»، إيريك شميت، وعميد علوم الكمبيوتر في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، دانيال هاتنلوكر، فعبّر كسنجر عن قلقه الشديد من سير الأحداث في اتجاه خاطئ.

كان قلقاً بشكلٍ أساسي من خسارة العنصر البشري، ما يعكس مفارقة كبرى لأنه رجل الدولة الذي اتُّهِم في معظم مراحل مسيرته بتجاهل الاعتبارات الأخلاقية. هو عبّر عن قلقه من تلاشي المعيار الطاغي منذ عصر التنوير الذي يعطي الأولوية للمنطق البشري. في مقابلة نشرتها صحيفة «ذا أتلانتيك»، ذكر كسنجر أن عدداً مفرطاً من القرارات بات «يتكل الآن على الآلات المدعومة بالبيانات وأنظمة الحلول الحسابية بدل أن تحكمها المعايير الأخلاقية أو الفلسفية».

كان كسنجر يبدو متحفظاً في معظم الأوقات، بسبب مظهره الحاد ولكنته الألمانية البارزة. لكنه درس الشؤون الإنسانية عن قرب وبرع في تحليل شخصيات القادة الذين تفاوض معهم. كان يُحضّر كتاباً أخيراً يختصر تلك التجارب في المرحلة الأخيرة من حياته.

في مقابلة أجراها معي في العام 2000، بعد وفاة حافظ الأسد، بدا كسنجر وكأنه يميل إلى الاستخفاف بتاريخ الدكتاتور الدموي، لكنه قيّم نقاط قوته ونقاط ضعفه بكل صراحة، فقال: «كان نجاحه الحقيقي يكمن في قدرته على البقاء في السلطة طوال 30 سنة، وهو إنجاز لا يمكن الاستخفاف به. لقد كان رمزاً للصمود، لكنه لم يكن رجل التغيرات الجذرية... كان يحتاج إلى تجاوز البيئة التي نشأ فيها».

أثبت كسنجر شخصياً أنه رجل التغيرات الكبرى، حتى أن جوانب من تقييمه الأسد تنطبق عليه أيضاً، أقلّه على مستوى تجاوزه بيئته الأصلية. بقي كسنجر على مر حياته المنفي الأوروبي وتلميذ بسمارك ومترنيخ، مع أنه دعم الولايات المتحدة بشغف كبير وأثبت في جميع الظروف براعته في التلاعب بسياسة القوة المبنية على الاعتبارات الأخلاقية في البلد الذي تبنّاه.

يقول عنه جوزيف ناي، الدبلوماسي والعالِم السياسي الذي كان تلميذ كسنجر في جامعة «هارفارد» ثم أصبح خصمه السياسي: «لقد كان يدرك أهمية المعايير الأخلاقية في السياسة الخارجية أكثر مما يظن الكثيرون. كان يعرف أن النظام يرتكز على ميزان القوى وعلى عامل الشرعية في الوقت نفسه. لم يكن النظام الذي دعمه يقتصر على الواقعية السياسية، بل كانت واقعيته السياسية متطورة جداً».

هذا هو جوهر الإرث المعقد الذي تركه هنري كسنجر وراءه للولايات المتحدة والعالم أجمع.