الزكام طويل الأمد: إكتشاف شكل خفي من الأمراض المزمنة

4 دقائق للقراءة

يواجه 10% من المصابين بفيروس كورونا الذي يُسبب جائحة «كوفيد» أعراضاً تدوم لأكثر من أربعة أسابيع بعد التقاط العدوى. يفوق عدد الإصابات العالمية 770 مليوناً حتى الآن، ما يعني أن عشرات ملايين الناس يتعايشون مع عواقب «كوفيد طويل الأمد».



خضع أكثر من 200 مؤشر مرتبط بظاهرة «كوفيد طويل الأمد» للدراسة، أبرزها الإرهاق، وضيق التنفس، ومشاكل معرفية مثل ضعف الذاكرة أو تشوّش الدماغ. قد تعيق هذه الحالة الحياة اليومية، إذ يضطر الكثيرون لتقصير دوامهم أو يعجزون عن القيام بأي عمل.

لكن قد لا يكون «كوفيد» السبب الوحيد وراء هذه الأعراض التي تستمر لفترة طويلة. في دراسة جديدة، قارن الباحثون الأعراض طويلة الأمد التي أصابت أشخاصاً اختبروا أنواعاً مختلفة من العدوى التنفسية الحادة. طُلِب من أكثر من 10 آلاف شخص أن يحددوا تفاصيل 16 مؤشراً شائعاً عند الإصابة بمشكلة «كوفيد طويل الأمد»، بما في ذلك التعب، وضيق التنفس، والأوجاع، والدوار.

ثم قارن الباحثون مدى شيوع هذه الأعراض لدى ثلاث مجموعات: مجموعة مصابة بعدوى «كوفيد»، وأخرى مصابة بعدوى تنفسية حادة مختلفة (لكن كشفت الفحوصات عدم إصابتها بـ»كوفيد»)، ومجموعة أخيرة لم تُصَب بأي عدوى من هذا النوع.

ركّز العلماء على الأعراض طويلة الأمد عبر إشراك المجموعة التي التقطت العدوى قبل أكثر من أربعة أسابيع، وقد أخذوا بالاعتبار الوضع الصحي العام للمشاركين قبل التقاط العدوى وإصابتهم بأي مشاكل تنفسية أخرى. تبيّن أن جميع الأعراض التي خضعت للدراسة كانت شائعة لدى من أصيبوا سابقاً بعدوى «كوفيد» أكثر من الذين لم يصابوا بأي عدوى وبغض النظر عن ظهور أعراض «كوفيد طويل الأمد» لديهم.

لكن لا يقتصر هذا الاستنتاج على «كوفيد»، فقد كانت معظم الأعراض أكثر شيوعاً لدى المصابين بعدوى تنفسية مختلفة عن «كوفيد» مقارنةً بمن لم يصابوا بأي عدوى.

بعبارة أخرى، تُلمِح النتائج الجديدة إلى وجود «زكام طويل الأمد»، ما يشير إلى آثار صحية مطوّلة بسبب التهابات تنفسية أخرى مثل الزكام، أو الإنفلونزا، أو الالتهاب الرئوي، ولا تزال تلك العواقب مجهولة حتى الآن. تتعدد أعراض الزكام طويلة الأمد، أبرزها السعال، ووجع المعدة، والإسهال. ظهرت هذه الأعراض بعد 11 أسبوعاً على التقاط العدوى.

يبدو أن عدوى أولية حادة تزيد خطر الإصابة بأعراض طويلة الأمد، لكن لا يكشف البحث الجديد بعد السبب الكامن وراء استمرار الأعراض لفترة طويلة في بعض الحالات.

إختلافات بارزة

تشير مجموعة من الأدلة إلى وجود بعض النقاط المشتركة بين أعراض الزكام طويل الأمد و»كوفيد طويل الأمد» على مستوى المدة أو حدّة الأعراض. في المقابل، تبرز اختلافات واضحة في الأعراض التي أبلغ عنها المشاركون في المجموعتين، فقد كانت الفئة التي تتعافى من «كوفيد» أكثر عرضة للدوار واضطراب حاسة الذوق والشم. تسلّط هذه النتائج الضوء على أثر «كوفيد طويل الأمد» في حياة الناس، حتى أنها تلمح إلى وجود التهابات تنفسية أخرى.

قد تتراجع الحالات المسجّلة رسمياً أو تزيد صعوبة تشخيصها بسبب غياب التوعية عن هذا الموضوع، أو حتى عدم وجود مصطلح شائع مثل «الزكام طويل الأمد» أو «الإنفلونزا طويلة الأمد». قد يجد الناس صعوبة في تشخيص حالتهم، حتى لو أبلغوا عن أعراض زكامهم المطوّل، نظراً إلى وفرة الأعراض المحتملة وغياب الفحوصات التشخيصية الفاعلة.

لا تُعتبر الأعراض المطوّلة بعد التقاط عدوى تنفسية ظاهرة جديدة. تكشف دراسات شملت ناجين من موجتَين سابقتَين لتفشي فيروس كورونا (جائحة الالتهاب التنفسي الحاد، ومتلازمة الشرق الأوسط التنفسية) آثاراً طويلة الأمد على مستوى الوظيفة الرئوية، ونوعية الحياة، والصحة النفسية.

حتى أن بعض من دخلوا المستشفى بسبب الإنفلونزا «أ» واجهوا مشاكل تنفسية ونفسية بعد سنتين على الأقل من خروجهم من المستشفى.

لكن تُركّز معظم الأبحاث حتى الآن على أشخاص مصابين بأمراض حادة غالباً ما تكون خطيرة لدرجة أن تستلزم دخول المستشفى. ما من معلومات كثيرة بعد عن آثار العدوى التنفسية على المدى الطويل لدى من يصابون بنوبات أقل خطورة من الأمراض الحادة.

لا تتماشى ظاهرة «كوفيد طويل الأمد» مع هذه النزعة، فهي خضعت للدراسة لدى أشخاص أصيبوا بعدوى أولية كانت مستويات خطورتها متنوعة، ما يثبت أن هذه الحالة تصيب أيضاً من يواجهون أعراضاً أولية خفيفة.

نجح المصابون بمرض «كوفيد طويل الأمد» في تسليط الضوء على أعراضهم بعد التقاط العدوى بشكل عام من خلال المطالبة بالاعتراف بحالتهم. حان الوقت إذاً لتحسين طريقة فهمنا لهذه الظاهرة وتطوير طرق مبتكرة لتشخيص تلك الحالات ومعالجتها بدل انتظار ظهور جائحة جديدة.