جاد حداد

When They See Us... وثائقي عن أشهر جريمة اغتصاب

4 دقائق للقراءة

سبق وعُرِضت قصة When They See Us (حين يشاهدوننا) من قبل، لا سيما في الوثائقي The Central Park Five للمخرجَين كين وسارة بيرنز. لكنها صدرت هذه المرة على شكل مسلسل قصير من أربع حلقات على شبكة "نتفلكس". يعطي العمل طابعاً درامياً للأحداث ويعرض تفاصيل القضية، بدءاً من 19 نيسان 1989، حين تعرّضت المصرفية الاستثمارية تريشا ميلي لاغتصابٍ وحشي في "سنترال بارك"، وصولاً إلى انتهاء القضية في العام 2002 بإصدار أحكام ضد خمسة رجال أُطلِق سراحهم لاحقاً، بعد اعتراف ماتياس رايس بارتكاب الجريمة. يظهر الرجال في نهاية الحلقة الرابعة، ومن باب التغيير لا يغطّي الظهور المفاجئ للشخصيات الحقيقية على أداء الممثلين البارعين في المسلسل.

لا يعرض العمل جميع اللحظات التي يتذكرها الناس عن تلك الحادثة فحسب، بل يطرح أيضاً المصاعب التي واجهها الرجال بعد خروجهم من السجن. تبدو القواعد المرتبطة بالسجناء السابقين فاشلة بامتياز. سيشاهد الجمهور أيضاً إلى أي حد شعر هؤلاء الرجال باليأس والانكسار حين تعرّضوا لضغوط الشرطة. في مشهد من أكثر المشاهد المؤلمة في الحلقة الأولى، يطلب أب من ابنه أن يكذب ويعترف بجريمة لم يرتكبها، لمجرّد أنه يخاف من إقدام رجال الشرطة على قتله إذا لم يرضخ لهم. من الأفضل أن يدخل السجن بدل أن يصل إلى المشرحة!

تشمل كل حلقة مجموعة لامعة من الأسماء، أمام الكاميرا وخلفها. لكنّ مستوى المسلسل كله يرتفع بفضل مجموعتين من الممثلين بدور المتّهمين الخمسة بجريمة "سنترال بارك". يظهر الممثلون المراهقون في أول حلقتين، ثم نشاهد الممثلين الراشدين في آخر حلقتين. يدعمهم طاقم من الوجوه المألوفة بدور المدّعين العامين (منهم لين كاريو وفيليسيتي هافمان وفيرا فارميغا) أو الأهالي (جون ليغويزامو ونيسي ناش وأونجانو إيليس). كما في فيلم If Beale Street Could Talk (لو تكلم شارع بيل)، تُجسّد إيليس دور امرأة تقية وفخورة بنفسها. تتفاعل شخصيتها "شارون سلام" مع "ديلوريس وايز" (ناش) ويحتدم الخلاف بينهما، لأن الشاب "كوري وايز" (جاريل جيروم) رافق صديقه المراهق "يوسف سلام" (إيثان هيريس) إلى مركز الشرطة في نيويورك، مع أنه لم يكن على لائحة المشتبه فيهم.





الحلقة الأخيرة من When They See Us هي الأطول والأكثر فظاعة وإشكالية. بعد الاكتفاء بالتلميحات في الحلقات السابقة، يكشف المسلسل أخيراً عن الأهوال التي يعيشها السجناء وتفاصيل الاعتداء على ميلي. يقدم جاريل جيروم أداءً قوياً جداً بدور "كوري وايز" الذي يتعرض لممارسات وحشية متلاحقة. تضاهيه في قوة الأداء نيسي ناش التي تظهر في لقطات الماضي وهي تُفكك وحدة العائلة. اعتادت هذه الممثلة على المشاركة في أعمال المخرجة آفا دوفرناي لكنها تثبت في هذه المشاهد قوة قدراتها الدرامية، التي تختلف بشدة عن أعمالها الكوميدية مثل Reno 911 و Claws (المخالب).

يأخذ "وايز" بنصيحة مدير السجن في واحد من السجون الثلاثة التي احتُجِز فيها، فيمضي معظم وقته في الحبس الانفرادي، لا سيما بعد تعرّضه للاعتداء. تراوده هناك هلوسات قوية وتصيبه نوبات من الجنون. إنها مشاهد مزعجة رغم أهميتها لكنها تتكرر أكثر من اللزوم. لو اختُصِرت هذه المشاهد، لما شعرنا بسرعة عرض الأحداث الأخرى التي تمهّد للنتائج النهائية. لا يخصّص المسلسل وقتاً طويلاً لعرض مسار الدعاوى القضائية في المرحلة اللاحقة.

حين يقرر المغتصب الحقيقي الاعتراف بالذنب وتتطابق نتائجه مع الحمض النووي الموجود على جورب وارد في ملف القضية منذ المحاكمة الأولى، تعرض دوفرناي الهجوم الذي تتعرض له ميلي. إنه مشهد مُخفّف لكنه يبقى وحشياً. تحرص المخرجة أيضاً على تذكيرنا بأن شرطة نيويورك كانت تعذّب المتهمين الخمسة، فيما راح المذنب الحقيقي يتجول في أنحاء الحديقة وهو مغطى بدم الضحية، ولا شيء يمنعه من متابعة ارتكاب جرائم أخرى قبل إلقاء القبض عليه.

عند تقييم العمل ككل، تكثر العناصر الإيجابية التي تجعل المسلسل يستحق المشاهدة. هو يبذل قصارى جهده لتسليط الضوء على نظرة الناس إلى السود وأصحاب البشرة السمراء، ما يبث مشاعر قوية من التعاطف معهم ورغبة فائقة في تحقيق العدالة. هو يحرّض المشاهدين ضد الظالمين عبر الأحداث التي يعرضها. قد تبدو النهاية سريعة أكثر من اللزوم، لكنها تبقى مبررة. ثمة سبب وجيه للاحتفال بعد تبرئة هؤلاء الرجال وفوزهم في دعوى قضائية ضد مدينة نيويورك، لكنّ ذلك الاحتفال يخفت دوماً مع وقوع كل مهزلة جديدة في نظام العدالة.