يبدو أنه ليس صدفة أن يحمل مسلسل تلفزيوني أنتجته «حماس» في غزّة، وعُرض خلال رمضان 2022، سيناريو مصغّراً يحاكي (بل يحكي) عملية «طوفان الأقصى» الأمنية والعسكرية التي شنّتها الحركة في 7 تشرين الأول 2023 على مواقع عسكرية ومستوطنات إسرائيلية في محيط القطاع. فمسلسل «قبضة الأحرار» تجاوز ما أرادته «المقاومة الإسلامية» الفلسطينية أداة شعبية توجيهية وتعبوية، ليكون بمثابة رسالة تحدٍّ إلى العدوّ واستخباراته.
وسط هدنة، وعلى الرغم من أجواء التضليل التي بثّتها «حماس» بأنّها منشغلة عن قتال إسرائيل في أمور اجتماعية واقتصادية وسياسية وأمنية داخل قطاع غزّة، رعت الحركة إنتاج مسلسل «قبضة الأحرار»، الذي ينتمي بأحداثه ورسالته إلى المقاومة وصراعها العقائدي والعسكري والأمني مع الاحتلال المحاصِر. بدا الأمر، وهو كذلك في العديد من جوانبه، في سياق ردّ «حماس»، عبر الدراما، على الأعمال التلفزيونية الإسرائيلية. وفي واقع التفاوت في الإمكانات الصناعية والفنية بين إسرائيل و»حماس»، لم يؤخذ «قبضة الأحرار» على محمل الجد، فنّياً واستخباريّاً. هكذا، بقي في دائرة المحاولات التوجيهية التي تنتجها الحركة للجمهور الفلسطيني. وقد عرضته قناتا «الأقصى» و»المنار» وغيرهما.

أسئلة «حماس»
يطرح إقدام «حماس» على صناعة هذا المسلسل الذي يحمل ذاك السيناريو المفاجئ إلى حدّ الصدمة (في الحلقات الأخيرة وخصوصاً 30)، كثيراً من الأسئلة التي يتكتّم على إجاباتها رئيس الحركة في غزّة يحيى السنوار. ويزيد من حرارة اللغز أن السنوار، الذي يُعتبر على رأس الحلقة الضيّقة التي أعدّت بتكتّم شديد لعملية «طوفان الأقصى»، قال خلال الاحتفال بالجزء الأول من المسلسل إن «قبضة الأحرار لا ينفصل عن إعداد كتائب القسام واستخباراتها ومجالات عملها المختلفة». ووصف العمل بأنه «فوق الخيال».
والسنوار، الذي أمضى نحو 25 سنة من عمره في السجون الإسرائيلية (حتى 2011) ويتقن اللغة العبرية، تصفه الاستخبارات الإسرائيلية بأنه يعرف إسرائيل ويُتقن ملاعبتها. وهذا القيادي الذي يجاهر بتوجيه رسائل علنية مشفّرة (منها الرقم 1111)، وقاد قبل اعتقاله مجموعات عسكرية وأمنية من مهامها ملاحقة عملاء إسرائيل، تُعدّ كلماته وأعماله مادة للجمع والتحليل الاستخباراتيين. بناءً على ذلك، يبرز التساؤل عن معنى أن يرعى إنتاج عمل تلفزيوني، وأن يوافق على تحميله تلك الرسالة. فهل غامر ورفع منسوب التحدي إلى «اللعب عالمكشوف»، أم أن سيناريو «طوفان الأقصى» ولد خلال إنتاج العمل أو بعده؟ وبعد: هل إن السنوار المُدرَج على رأس قائمة القادة الفلسطينيين المطلوبين لإسرائيل أراد أن يوفّر الأجواء لما هو «فوق الخيال»؟ وهل أنتج «قبضة الأحرار» ليكون مادة تدريبية لمقاتلي «حماس»؟
أسئلة إسرائيل
والأسئلة المتكاثرة ليست عن السنوار وحركة «حماس» فحسب، بل عن إسرائيل، وكثيرٌ منها يُطرح على استخباراتها: هل شاهدت «قبضة الأحرار» وحلّلته، أم أنها لم تكترث بالدراما الفلسطينية وأدرجت المسلسل في خانة التسلية التلفزيونية الرمضانية وبروباغندا «حماس» وتضخيمها ذاتها؟
يبدو أن في الأمر تقصيراً استخباراتيّاً إسرائيليّاً. فالمسلسل لا يحكي عن الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي فحسب، إنما واقعه أرضُ غزّة، وعالمه الحرب الاستخباراتية والعسكرية بين «حماس» والأجهزة الأمنية والعسكرية الإسرائيليّة. وهذا، إضافة إلى كونه من إنتاج الحركة وبموافقة السنوار، ما يرشّحه ليكون مادة بديهية وإلزامية للتحليل الاستخباري الإسرائيلي. فهو، في الأقل، يمكن أن يكشف كيف تفكّر «حماس» في نفسها وفي إسرائيل، وما تطمح أو تتخيّل أن تفعله. وهذا بحدّ ذاته مادة استخبارية. فهل يُضاف «قبضة الأحرار» إلى الملف الذي سمّته «حماس» ومحورها «إخفاقاً أمنياً وعسكرياً إسرائيليّاً»؟
في مواجهة «فوضى»
يروي مسلسل «قبضة الأحرار» قصصاً من الصراع الأمني والعسكري بين «حماس» وجيش إسرائيل واستخباراتها العسكرية. وهذا ما وضعه في مواجهة مع المسلسل الإسرائيلي «فوضى» (أربعة أجزاء)، الذي شاهده الملايين على «نتفلكس» ومنصات أخرى، وحاز جوائز عالمية. والمسلسلان ينتميان إلى فئة واحدة، هي ترويج كلّ جهة، عبر الدراما، سرديّتها وتفوّقها الأخلاقي والعقلي والمعنوي والإعدادي والتخطيطي. لكنّ العملين يختلفان، إضافة إلى التناقض السياسي، في جوانب فنيّة وعقائدية عديدة.
فالمسلسل الإسرائيلي، الذي يتفوّق بالإمكانات والاحتراف، مأخوذ بالمبالغة في قصص مغامرات أجهزة الاستخبارات وقدراتها ومؤهّلات رجالها. وعلى هذا النحو المتأثّر بالمذهب السينمائي الأميركي الذي يروّج للمؤسّسة العسكرية واستخباراتها، ويصوّر البطل الخارق، يجعل «فوضى» الجانبَ الإسرائيلي قادراً بسهولة على اختراق الجانب الفلسطيني، مجتمعاً ومنظمات عسكرية. واستكمالاً لهذا النهج، ينشط «فوضى» لتظهير إنسانية الإسرائيلي. وفي المقابل، يؤطّر الفلسطيني في قوالب وأحكام مسبقة: شرّيرٌ، حاقدٌ، لا يحرّكه سوى الانتقام، متخلّف. باختصار: الإسرائيليون في هذا العمل التشويقي هم الأخيار، والفلسطينيون المتشابهون هم الأشرار.
أما مسلسل «قبضة الأحرار» فأولويّته تقديم صورة الذات، الفلسطيني عموماً والمقاوم خصوصاً، وليس الآخر الإسرائيلي. وعلى الرغم من ذلك، وفي حين لا يقارب المجتمع والمواطن الإسرائيليين، تراه يضع العسكري- الاستخباراتي الإسرائيلي في كليشيات الخطاب السياسي الفلسطيني: محتلٌ، ضعيفُ العقيدةِ، مخادعٌ، جبانٌ، يعتمد على القدرات التكنولوجية والعسكرية، ومتحللٌ أخلاقيّاً. وانطلاقاً من أولوية تقديم صورة الذات، يعمل «قبضة الأحرار» على بثّ ثقة الفلسطيني بنفسه وبقدراته العقلية والعملية. ومن أجل هذا، بقدر ما يهتمّ بسرد الأحداث، يولي أهميّة قصوى لتقديم صورة نموذجية للمقاوم. فهذا شخصٌ مؤمنٌ صادقٌ موزونٌ في سلوكه وكلامه، وهو عبقري يتخلّى عن العمل والارتقاء المهني في الولايات المتحدة من أجل وطنه وتسخير علمه وحياته في العمل المقاوم. ففي حين يحرص المسلسل على أن يكون واقعياً، وللإمكانات المتواضعة دور في ذلك، يقدّم الأحداثَ مهندسةً مفلترةً لتوافق سردية «حماس» والمسموح التصريح به عن الوقائع التي يتناولها. وكذلك الأمر بالنسبة إلى الشخصيّات، فهذه أقرب إلى بيادق شطرنج في سيناريو معروف مسبقاً ومضبوط الحوار. وعلى الرغم من أن غالبية الممثلين والممثلات بلا تجارب فنية ما يجعل أداءهم ثقيل الحركة ومحدود التعبير، يحاول «قبضة الأحرار» أن يُخرج مستعيناً بالمونتاج مشاهدَ واقعيةً، وإن كانت غالبيتها مسرحيةً وفي كادرٍ ثابتٍ.
صناعة الدراما في غزة
أن تجربة صناعة الدراما في غزّة حديثة العهد (كانت هناك نواة في الخمسينات قبل الاحتلال في 1967)، وتفتقد إلى البنية التحتية والمعاهد والخبرات، إضافة إلى ظروف الحصار. وقد افتتحت «حماس» مدينة الإنتاج في 2017. ومسلسل «قبضة الأحرار» الذي أعلنت «دائرة الإنتاج الفني» لحركة «حماس» قبل أيام من عملية 7 تشرين الأول 2023 عن المباشرة في الجزء الثاني منه، ليس الأول أو الوحيد. فالعمل الأول الذي أنتجته الدائرة (أُنشئت في 2007) كان عن عماد عقل، أحد مؤسّسي «كتائب القسام» واغتالته إسرائيل (تأليف محمود الزهار). ثم مسلسل «الروح» الذي يتناول معاناة الأُسر الفلسطينية في ظل الاحتلال (أنتجته فضائية «الأقصى» في 2014). ومن «مفاجآته» أنه روى قصة هروب أَسرى من سجن جلبوع عبر حفر نفق، وهو ما تحقّق في 2021 بعد سنوات من عرضه. ومسلسل «الفدائي» الذي دُبلج بالتركية وعرضته قنوات عدة (أنتجته «الأقصى» وعُرض جزؤه الأول في 2015 والثاني في 2017). ومسلسل «بوابة السماء» الذي يروي معاناة المقدسيين من الانتهاكات الإسرائيلية. وقد صوّر في موقع خاص يُحاكي أزقةَ القدس (2017 و2021).
ومسلسل «قبضة الأحرار» من إخراج محمد خليفة، وتأليف فارس عبد الحميد وتسنيم المحروق وحافظ فارس، وتمثيل رشاد أبو سخيلة وزهير البلبيسي وإبراهيم سلمان وجواد حرودة وآخرين. وأُعلن أن تكلفته بلغت 300 ألف دولار.