لم نقترب من درجة الفوضى التي تبرر حملة القمع الشاملة التي يدعو إليها ترامب وكوتون. حصلت عمليات نهب طبعاً ولا بد من إدانة المرتكبين واعتقالهم ومحاكمتهم. لكنّ البيانات الأولية الصادرة عن "اتحاد احتساب الحشود" تثبت أن الأغلبية الساحقة من التظاهرات كانت سلمية على نحو لافت، وشكّلت الحوادث العنيفة استثناءً نادراً على القاعدة. وفي حالات كثيرة، يبدو أن ردة فعل الشرطة المحلية المبالغ فيها هي التي أجّجت أعمال العنف.
لا يحاول المحتجون تدمير المؤسسات العامة أو الانقلاب على النظام الدستوري. لم يُقدِم الناس مثلاً على إضرام النار في مبنى الكونغرس، ولم يقتحموا بوابات البيت الأبيض، ولم يحاولوا خطف رؤساء البلديات أو أعضاء مجلس الشيوخ أو رؤساء أقسام الشرطة، حتى أنهم لم يواجهوا المشرّعين بالأسلحة أو يهددوهم بطرقٍ أخرى كما فعل اليمينيون في "ميشيغان" منذ بضعة أسابيع. ولم يطلب أي حاكم مساعدة الحكومة الفيدرالية للتعامل مع التظاهرات. وفق مكتب التحقيقات الفيدرالي، لا تروّج حركة "أنتيفا" لأعمال العنف، مع أن الكثيرين يعتبرونها خطيرة، على عكس بعض الميليشيات اليمينية. لا شك في أن قناة "فوكس نيوز" تشعر بخيبة أمل كبرى!
عملياً، لا يشتق أبرز تهديد على النظام الدستوري من المحتجين، بل من البيت الأبيض بحد ذاته. إنه السبب الأساسي الذي يفسّر المواقف الرافضة من جانب قادة عسكريين أميركيين (متقاعدين وناشطين)، فهم يعرفون أن القوة المفرطة التي يطالب بها ترامب ليست مبررة في هذه الظروف. يدرك هؤلاء القادة أيضاً أن الشعب الأميركي ليس ساحة معركة يمكن اجتياحها للسيطرة عليها، وأن دور القوات المسلحة يقضي بالتمسك بالدستور والدفاع عن البلد ضد الأعداء الخارجيين، بدل تحقيق مصالح الرئيس السياسية الشخصية.

يثبت هذا الوضع المضطرب حقيقة واحدة: لم يعد ترامب، الرئيس اليائس وغير الكفوء، يملك أي أوراق تفيده. بدأ الاقتصاد ينهار، وعلى عكس أوباما الذي نجح في إخراج البلد من الركود الاقتصادي في العام 2008، لا يملك ترامب على ما يبدو أي خطة دقيقة لإعادة إحياء الاقتصاد في أي وقت قريب. يذكر أحدث تقرير عن الوظائف أن عشرات ملايين الأميركيين سيكونون عاطلين عن العمل في يوم الانتخابات المرتقب، ويعرف الرئيس هذه الحقيقة. يواجه البلد هذا الوضع الشائك لأن طريقة تعامل ترامب مع وباء "كوفيد-19" كانت خرقاء على نحو محرج. كان ادعاؤه أن الوباء سيختفي بطريقة سحرية كذبة نموذجية من جانبه، ولم تقف أكاذيبه عند هذا الحد رغم وفاة 100 ألف أميركي. في غضون ذلك، أطلقت البلدان التي تستفيد من قادة أكثر كفاءة مسار التعافي وبدأت تفتح مدنها بكل أمان. لكنّ الوضع لن يتغير في الولايات المتحدة وتسود مخاوف مبررة من ارتفاع أعداد الإصابات مجدداً بحلول الخريف المقبل. أخيراً، أدت مقاربة ترامب الانفعالية والجاهلة في مجال السياسة الخارجية إلى زيادة جرأة الخصوم وإثارة غضب الحلفاء، تزامناً مع الفشل في تحقيق أي إنجاز مهم في الشؤون الخارجية. لا يجيد الرئيس معالجة هذه المشكلة أيضاً.
لهذا السبب، يلجأ ترامب بكل بساطة إلى بث الانقسام قدر الإمكان، مع أن هذه المقاربة تُحدِث أضراراً دائمة في البلد ككل. من المبرر أن يرغب ترامب في تأجيج مستوى العنف لإلهاء الناس عن إخفاقاته الأخرى وإقناع الأميركيين بأن النظام العام بات مهدداً وبالتالي أصبحت جميع التدابير مبررة. إنه وضع صادم بمعنى الكلمة: للمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، يظن رئيس أميركي أن التشجيع على العنف والفوضى صراحةً قد يخدم مصالحه السياسية. حتى ريتشارد نيكسون لم يذهب إلى هذا الحد.
يقضي أفضل رد عليه إذاً بمنعه من ارتكاب المجزرة التي أصبح بأمسّ الحاجة إليها. تظن العالمتان السياسيتان إيريكا تشينويث وماريا ستيفان أن المقاومة المدنية غير العنيفة تنجح في إحداث التغيير الاجتماعي المنشود أكثر من التمرد العنيف. السبب بسيط: حين تندلع أعمال العنف، من الأسهل على الحكومة أن تبرر القمع وغالباً ما تكون الذراع القمعية للدولة أقوى من المحتجين. لكن إذا حافظت الاحتجاجات على طابعها السلمي، من الأصعب أن تبرر الدولة حملات القمع وأن تقنع الشرطة أو الحرس الوطني أو وكالات قسرية أخرى بتنفيذ أوامرها. عند استعمال العنف في هذه الظروف، سيدرك الأميركيون حقيقة ما يحصل ويرفضون هذه الممارسات. ستكون حملات القمع العنيفة للتظاهرات السلمية مؤشراً آخر على فشل هذا الرئيس وخذلانه لوطنه.

مع ذلك، تبرز معطيات مقلقة في الوقت الراهن. تتمحور الاحتجاجات اليوم حول الظلم العرقي (الأسباب واضحة ومفهومة بالكامل)، لكنّ جزءاً من المشاكل التي تواجهها الولايات المتحدة يتجاوز مسائل العنصرية. بالإضافة إلى المخاوف المشروعة حول اللامساواة العرقية (بما في ذلك أثر فيروس "كوفيد-19" غير المتكافئ على الأقليات)، تشكّل الاحتجاجات مؤشراً آخر على حجم الغضب الشعبي الجماعي تجاه نخبة سياسية واقتصادية نجحت في السنوات الأخيرة في جمع الثروات الشخصية بدل تلبية الحاجات الاجتماعية العامة ونادراً ما تعرّضت للمحاسبة التي تستحقها. هذا الغضب موجّه ضد الشرطة التي تقاوم الإصلاحات وترفض طرد الضباط رغم ارتكابهم أخطاءً متكررة. هذا الغضب موجّه ضد الأوساط الداخلية في "وول ستريت" لأنها كانت مسؤولة عن انهيار الاقتصاد في العام 2008 ومع ذلك لم تُحاسَب يوماً. هذا السخط موجّه أيضاً ضد هارفي واينستاين الذي استغل السلطة طوال عقود قبل فضحه ومعاقبته. في الوقت نفسه، يسود إحباط عام بعد مشاهدة خبراء مزعومين في السياسة الخارجية، من أمثال جون بولتون وإليوت أبرامز، وهم يستفيدون من فرص لامتناهية لارتكاب إخفاقات متلاحقة. هذه الرؤية العامة عن خيانة النخبة الحاكمة وامتيازاتها الفائقة هي التي تُحوّل شخصيات متباينة، مثل ترامب وبيرني ساندرز، إلى قوى سياسية مؤثرة.
في العام 2016، استفاد ترامب من الاستياء الشعبي الواسع عبر طرح صورة مزيفة عن نفسه، باعتباره شخصية جريئة من خارج النخبة الحاكمة، فجاهر بقدرته على تطهير الأوساط العامة واستعمال مهارته (الوهمية) في قطاع الأعمال لمعالجة مشاكل البلد. لكن انكشفت جميع أكاذيبه اليوم، مع أن مناصريه يعجزون حتى الآن عن رؤية الحقيقة. بدل تطهير الحكم، عمد ترامب إلى تدعيم إدارته بجماعات الضغط، وأصحاب النفوذ والثروات، والموالين له، والفاشلين، وأفراد غير مؤهلين من عائلته، فيما تابع تحقيق المكاسب الشخصية على حساب عامة الناس. أنتج أسلوبه الإداري العشوائي سلسلة لامتناهية من الاستقالات وقرارات الطرد والتعيينات، ما أدى إلى أعلى نسبة من استبدال الموظفين في تاريخ الإدارات الأميركية. في الوقت نفسه، تراجعت قدرة الحكومة الفيدرالية على تلبية حاجات البلد. واجه ترامب فجأةً أزمة صحية طارئة ومحنة اقتصادية حادة، فأثبت عجزه التام عن تقليص الأضرار وتوحيد الشعب وإلهامه وحُكْم البلد. من الواضح أن مهاراته السياسية تقتصر على الكذب والمراوغة ولوم الآخرين.
من المتوقع أن يتأجج مستوى الغضب حتى شهر تشرين الثاني المقبل، لا سيما في المدن الأساسية، ولن ينحصر الاستياء العام على الأرجح بمسألة الظلم العرقي. بعد انتهاء المبالغ الفيدرالية الداعمة واستنزاف المدخرات الشخصية، سيعجز عدد إضافي من الناس عن دفع الإيجارات وقد يُجبَر جزء منهم على إخلاء منازلهم. كذلك، ستضطر أعداد إضافية من الشبان لتأجيل أحلامها المستقبلية. سيمرض الناس أيضاً ويموت عدد منهم، وسيتساءل الجميع حتماً عن توقيت استرجاع حياة شبه طبيعية. أخيراً، سيحسد الأميركيون البلدان التي تخضع لحكم أكثر كفاءة فيما تعيد فتح مدنها وتتعافى من الانهيار، ويتساءلون عن السبب الذي يمنعهم من القيام بالمثل.
وسط هذه التطورات كلها، سيكون دونالد ترامب المثير للانقسام في مكانه ولن يتوانى عن صب الزيت على النار، على أمل إطلاق دوامة جهنمية قادرة على تجديد حظوظه الانتخابية المتصدّعة. لقد أصبحت أساليبه معروفة: لا شك في أنه سيُحمّل مسؤولية المشاكل الأميركية للصين، ومنظمة الصحة العالمية، ونانسي بيلوسي، وباراك أوباما، والبريد الإلكتروني الخاص بهيلاري كلينتون، ووسائل الإعلام الإخبارية، و"الدولة العميقة" المزعومة، ومياه الشرب المفلورة، حتى أنه قد يُورّط جورج سوروس ومحاكم التفتيش الإسبانية والمتنورين عند الحاجة. الجميع مُلام إلا هو! وليس مستبعداً أن يطلق ألقاباً سخيفة على جو بايدن ويخترع أكاذيب قاتمة أخرى عن عائلته.
إذا استمرت التظاهرات الراهنة، قد يستعملها ترامب كعذر لتبرير حملات القمع المسلّحة كي تتابع قاعدته الشعبية اعتباره زعيماً قوياً ورجولياً. حتى أنه قد يقنع المدعي العام بيلي بار باختراع حجج قانونية مزيفة لتبرير تعليق الانتخابات. أو ربما يحاول استغلال جزء من قوى الأمن المحلية لقمع التصويت. لا أحد يعرف ما سيحصل. لا حدود لتمادي الزعيم اليائس في استعمال هذا العذر المثير للشفقة لأنه لا يملك أي خيارات أخرى في هذه المرحلة!