لطالما كان للأطبّاء حضور خاص في المشهد والوجدان الفلسطينيين.
تفانيهم الآن في قطاع غزّة، مع الجسم الطبّي عموماً، ليس جديداً ولم يأتِ من فراغ. له تاريخ وتراث وثقافة وطنية وإنسانية. وقد تكوّن ذلك خلال الارتباط العضوي بالشعب الذي يواجه، منذ عقود طويلة، آلة الفتك التي تسعى إلى إبادته أملاً بإلغائه وقضيّته من الوجود.
لقد راكم الأطبّاءُ الفلسطينيّون، بقيمهم المهنية الإنسانية وعدّتهم العلمية، إدراكاً ضخماً وعميقاً للقضيّة الفلسطينيّة. ولم يبقَ الأمر شأناً خاصّاً لدى الأطبّاء، منفردين ومجتمعين، بل يأخذ طريقه بثقة وتقدير إلى السياسة وحياتها ومشهدها، في فلسطين والعالم. ويمتاز هذا الإدراك الطبّي على الخطابات السياسية بكونه وجداناً أو ضميراً، وينطق بلغات الإنسانية. فالإدراك أو الضمير الطبّي الفلسطيني هو صوتُ صورةِ الفلسطيني القتيل والجريح، طفلاً وامرأة، كهلاً وشابّاً، بل أحد الأصوات القوية للمجتمع والقضيّة.
غسان أبو ستّة ومصطفى البرغوثي نموذجان لهذا.
أبو ستّة يطوّر مقاربة علميّة للجرح الفلسطيني من خلال تحليله السياسة الحيوية الإسرائيلية. فبعيداً من الخطابات السياسية، يقدّم هذا الطبيب الرائد في علم النزاعات قراءة علميّة من الأرض لفعل الاحتلال والعدوان. وفيما يشارك، عابراً الحدود إلى غزّة، في معالجة الجروح وترميم الأجساد وفي «مقاومة الموت» كما يقول، يُخضع آلةَ الإبادة والقتلِ والجَرحِ للفحص. فهو ينفد من «الجرح» إلى رصد السلاح المستعمل، ليحلل ذلك ويستخلص من خلال نتائجه الدلالات والغايات. ودائماً، ربطاً بالواقع والقضيّة. وإذ يقرّبه ذلك من العلم الجنائي، يتعدّاه إلى القيم والأخلاق. وهنا، في هذه «المشرحة» الطبّية والعسكرية والفكرية والأخلاقية، تكمن قوّة أبو ستّة، ورفاقه في القطاع الطبي الذي تستهدفه إسرائيل لتدمير مقوّمات الحياة من أجل استعباد الفلسطينيين وتهجيرهم. فهو يخاطب العالم والضمير الإنساني بمادّة علمية أخلاقيّة، لا بخطاب سياسي مباشر. ولهذا، فإنّ لاستنتاجه، مثلاً، أن الاحتلال الإسرائيلي جعل قطاع غزّة «مختبراً» يجرّب فيه أسلحته لتسويقها عالميّاً صدى يهزّ الضمير الإنساني بما يفوق قوّة أي سلاح، وبالتأكيد أكثر فاعليّة من الخطابات السياسية. وإذ يضع أبو ستّة معالجاته وتشريحاته واستنتاجاته في سياقها الواقعي والتاريخي، يرمّم السردية الفلسطينيّة أمام العالم، بصورة الإنسان الفلسطيني وصوته، وبضمير الإنسانية. وبلغة الطبيب والباحث والإنسان، يكشف بوضوح من هو الضحيّة ومن هو الجلّاد.
البعد الطبّي ما زال موجوداً في صورة البرغوثي وأنشطته ومسيرته، على الرغم من تقدّم البعد السياسي والإعلامي. فالبعد الطبّي موجّهٌ إلى الشعب الفلسطيني على شكل إغاثة وتنظيم عملها، وفي الوقت نفسه هو إحدى مساحات اللقاء مع منظمات المجتمع المدني الدولية. ولعل هذا ما مكّن البرغوثي، الذي درس الفلسفة والإدارة إلى جانب الطب، من النشاط الإعلامي لمخاطبة الرأي العام العالمي في ظل الانتفاضة الثانية في 2000، التي أطلق خلالها دعوته إلى «المقاومة الشعبية». ومذ ذاك، هذا الطبيب المثقف الذي انضم إلى الفريق الفلسطيني لمؤتمر مدريد للسلام (1991)، يجمع ما بين الالتزام الوطني وهاجس صوغ القضية الفلسطينية بقاموس حديث يخاطب الرأي العام العالمي. ومن هذا الموقع، إضافة إلى رصيد العمل الطبّي الإغاثي والنشاط المدني عموماً، عارض البرغوثي السلطة، لا سيما في شأن التفاوض المنفرد مع إسرائيل. وخاض، من الموقع نفسه، استحقاقات انتخابية ومعارك سياسية عديدة. وقد أهّله هذا الرصيد، ونشاطه الكتابي والإعلامي وثيق الصلة بالحركة الفلسطينية المستقلة عن السلطة والقوى الأخرى، ليكون إحدى الشخصيّات البارزة الداعية والعاملة إلى الوحدة الوطنية وترتيب البيت الداخلي لمواجهة الاحتلال وسياساته، وللتحرير وبناء الدولة الديمقراطية المستقلة. فالمساهمة الأبرز للبرغوثي هي في مواجهته الرأي العام العالمي، ولا سيما الغربي، بصورة إسرائيل وممارساتها التي تناقض القيم الإنسانية: استعمار، احتلال، تهجير، فصل عنصري، وحشيّة... وفيما يبقى صدى هذا رهناً بضمير الرأي العام العالمي وفاعليّته، يبقى أيضاً أن الناطق به طبيبٌ وناشطٌ مدنيٌّ وسياسي ومثقفٌ... فلسطيني.
يستدعي الكلام على الأطباء الفلسطينيين وحضورهم في الوجدان والوعي والسياسة، حادثة شهدها مؤتمر مدريد: أصرّت الحكومة الإسرائيلية لدى الإدارة الأميركية الداعية إلى ذاك الحدث على أن لا تكون منظمة التحرير الممثل الوحيد للشعب الفلسطيني. وتشكل وفدٌ من شخصيّات من الأراضي المحتلّة. وخلال المؤتمر، بعد فراغ رئيس الوفد، الطبيب الغزاوي المسنّ الهادئ حيدر عبد الشافي، من كلمته المؤثّرة (باللغة الإنكليزية) التي شدّت الحاضرين وبُثّت عبر العالم، همس رئيس الوفد الإسرائيلي الليكودي إسحاق شامير لأحد مستشاريه، وفق المؤرّخ الإسرائيلي آفي شلايم: «لقد ارتكبنا خطأ كبيراً. كان يجب أن نصرّ على أنّ منظمة التحرير هي الممثّل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني».
أبعدَ هذا كلامٌ؟
والفلسطينيون قادرون على الإكثار من أخطاء إسرائيل.