في يوم التضامن مع غزة، صدحت حنجرة سيدة فلسطينية سبعينية من مخيم برج البراجنة بهتافات مؤيدة لقادة حركة «حماس»، وشاتمة العدو الإسرائيلي ورئيس حكومته بنيامين نتنياهو «قاتل الأطفال» وأيضاً الرئيس الأميركي جو بايدن بصفته شريك المجرم ومجرماً أكثر منه، وحرّكت المتظاهرين الذين تجاوبوا معها باندفاع ورددوا هتافاتها بفخر لدقائق على هواء البث المباشر، وعندما انتهت قالت بالحرف الواحد: «أهدي هتافاتي هذه لإبني في أميركا».
بدت سعيدة ومتباهية بأنّ ابنها في الولايات المتحدة، بدت مطمئنة لأنّ ابنها هناك يعمل ويضمن مستقبله ومستقبل أولاده، لأنّ لا شيء هنا، إلا الفقر والظلم لفلسطينيي المخيمات، ولأنّ لا حياة في غزة التي تحوَّلت من سجن كبير إلى مقبرة كبيرة.
ولأنّ أي استطلاع في غالبية الدول العربية، باستثناء دول الخليج، يظهر أنّ الحلم بالهجرة يغلب على ما عداه. الولايات المتحدة تحتل رأس لائحة الأماني، تليها كندا ومن ثم أستراليا وأوروبا. فالحصول على جنسية من هذه الدول تُشعِر حاملها بأنه أعطى أولاده أمان مستقبلهم. والسبب ليس العدو الإسرائيلي مع الأسف، ولكن افتقاد مواطني هذه الدول إلى الكثير الكثير من مستلزمات الحياة الكريمة.
هذه الأمنية لا تعني نقصاً في الحب للأوطان، ولكنها تعكس قهراً لأنّ من يتحكم بهذه الأوطان لا يقيم وزناً لحقوق المواطنين، حتى بالحد الأدنى من الأسس الإنسانية والمدنية.
وأيضاً لا تعني أمنية البحث عن أمان لدى الدول التي تساند إسرائيل على حساب العرب، تدنياً في منسوب إدانة هذا العدو ورفض كل ما يتعلق باغتصابه أرض الفلسطينيين وإمعانه بارتكاب هذه الجرائم التي يفترض أن يعاقب عليها في محاكم دولية، كأي مجرم حرب، كما أنّ الاندفاع لمواجهته كبير وصولاً إلى وطن يعطي للشعب الفلسطيني حقوقه، وينهي معاناته ومسلسل إنهاء قضيته.
لكن الأماني دونها تجارب وسوابق تجعل كل فلسطيني وكل عربي، ينهبه ويقمعه ويذله نظامه بحجة أولوية مواجهة إسرائيل، كذريعة تبرر ما ترتكبه هذه الأنظمة من جرائم، يفضّل غربة عن كل ما يرتبط به وجدانياً ومكانياً ومادياً ليؤمن لأولاده مستقبلاً مقبولاً من دون «زوار فجر» ومعتقلات، الداخل إليها مفقود والخارج منها مولود، ولوائح مفقودين، أحياناً لالتباس في الاسماء ليس أكثر. عدا الفقر وانعدام فرص العمل، وما إلى ذلك من علل اجتماعية واقتصادية تؤدي بصاحبها إمّا إلى اليأس والاكتئاب أو إلى التطرف والعنف أو إلى التقرب من الطغاة وازلامهم لحفظ الرأس أولاً، واستغلال السلطة ثانياً على حساب الآخرين.
قد يرى الغيارى على «المقاومة» ورافعو شعار «محو إسرائيل من الوجود» أنّ الخيانة العظمى هي في سرد جرائم الأنظمة والجماعات المتاجرة بالقضية الفلسطينية لتوسيع النفوذ وتكريسه على شعوبهم وبيئتهم الحاضنة، فشرط العداء للعدو الصهيوني يرتبط لديهم بالخضوع والقبول بالقمع والاغتيالات وحماية الفاسدين والمطلوبين للعدالة بجرائم موصوفة وإعادتهم إلى السلطة وعدم انتقاد استخدام البراميل المتفجرة لحماية الأنظمة المفيدة لرأس المحور، والتي لم توفر أطفالاً لا يختلفون عن أطفال غزة في مصيرهم.
هم لا يريدون التوقف عند إشراقة وجه السيدة الفلسطينية وهي تهدي هتافاتها الوطنية بامتياز إلى ابنها المقيم في رحاب الأمن والأمان المتوفرة في الولايات المتحدة. هم يريدون فقط، أن ننتظر جميعنا مساعدات تأتي غالباً من دول الاستكبار والاستعمار والعمالة، وفق توصيفهم، ويسرقون معظمها، ليمِنّوا على المقهورين بالفتات، بما يذكرنا برسمة كاريكاتور لمواطن في دولة منهوبة ثرواتها ومصادرة سيادتها لصالح المحور، يتلقى من مروحية أميركية «سندويش همبرغر» كمساعدة، فينظر إلى السماء ويصرخ: «أين الكاتشاب يا كفرة؟».