ليس امام لبنان المأزوم سوى ممر ضيق وحيد للعبور الى بداية مسار إنقاذي. لكن ادارة التفاوض العجيبة الغريبة مع صندوق النقد الدولي توحي اننا نقاتل من اجل الفشل، لا النجاح. ولا فرق سواء كان السبب هو الخلافات وحكومة الهواة والمستشارين، الذين يتصرفون كأن لبنان "مختبر" يبحثون فيه عن علاج ويتعلمون بأمراض اللبنانيين، أو كان الفشل هو الهدف غير المعلن لأصحاب الحكومة. ففي الجانب اللبناني، من التفاوض المباشر ومن التحكم بالتفاوض من بعد، خائفان، وإن مارسا غطرسة القوة: واحد خائف على مصالحه من الاصلاح الذي هو ثمن العبور، بحيث يهرب من الممر ويمارس رياضة الدوران في طرق مسدودة. وآخر خائف على مشروعه قبل "قانون قيصر" وبعده، ويريد ان يأخذنا الى المحور المحاصر بالعقوبات.
وأكثر ما ينطبق على هذه الحال هو قصة " سرير بروكروست". تروي القصة الاميركية ان بروكروست كان يقيس طول من يطلب النوم عنده، فإن كان أطول من السرير قصّ من رجليه بما يجعله على قياس السرير. ونحن نمارس عملياً سياسة "سرير بروكروست". أي حل مقدّم الينا يجب ان نجعله على القياس الملائم لمصالح المافيا السياسية والمالية والاقتصادية النافذة، أو على القياس الملائم لمشروع "حزب الله". ولا فائدة من اللقاءات والدعوات الى الوحدة الوطنية من منابر الانقسامات الوطنية والسياسية. ولا مبرر للبحث من جديد في وثائق ومواثيق، بعدما كان الارشيف مصير الكثير منها، وأبرزها "إعلان بعبدا" أيام الرئيس ميشال سليمان.
ذلك ان المعادلة في لبنان، خلافاً للمنطق الوطني، هي ان حدة الازمات تزيد من حدة الانقسامات، وتدفع نحو خلافات بين الحلفاء وحتى داخل الفريق الواحد. ونحن في أعلى مراحل الازمات التي ضربت كل بيت، ولم تبقَ مجرد خلافات وسجالات بين اللاعبين على المسرح، هي من طبائع الامور. لا بل ان كل كلمة ازمة التي تعني بلغتها الاصلية مزيجاً من "خطر وفرصة" باتت ضيقة على توصيف ما صرنا عليه من اهتراء اقتصادي. وهو اهتراء أصله سياسي، وبالتالي فان من الوهم تصور الاهتراء الاقتصادي من دون الاهتراء السياسي.
ومرحبا غطرسة قوة في بلد مفلس دخل مرحلة انعدام الوزن، حيث لا وزن للاوزان. فليس أخطر من الازمات سوى اللعب بها فوق رؤوس المواطنين الجائعين، ونسيان الذين يمطروننا بالمواعظ والعفة قول جبران خليل جبران: "إذا تكلمت امام الجائع سمعك بمعدته". والاخطر في كل هذا البؤس في الهاوية العميقة التي اوصلونا اليها هي انه لا احد يقول انه مسؤول.