تتصاعد وتيرة الهجمات الجوية المتبادلة بين الجيشين الروسي والأوكراني منذ أسبوع تقريباً، مع دخول فصل الشتاء المرحلة الأكثر برداً وصقيعاً، في ظلّ حالة ميدانية شبه جامدة منذ وضوح صعوبة تحقيق هدف الهجوم الأوكراني المضاد الذي انطلق أوائل الصيف الماضي، وتعثّره لأسباب عسكرية أهمّها صلابة خطوط الدفاع الروسي وفقدان عنصر المفاجأة في الهجوم. وعلى عكس الهجوم المضاد، يبدو أنّ الجيش الروسي أخذ زمام المبادرة في مهاجمة المواقع الأوكرانية بالعمق جوّياً، ليرافقها ردّ أوكراني وبالأسلوب نفسه.
تعتبر سلسلة الضربات الصاروخية والمسيّرة الروسية ضدّ أوكرانيا التي انطلقت منذ ليل 29 كانون الأوّل الماضي، الكبرى، منذ ما يقارب عامين من الحرب الواسعة النطاق، لكنّها لم تكن مفاجئة، بل كانت تتويجاً لعدة أشهر من التجارب الروسية على مجموعات مختلفة من الصواريخ والمسيّرات لاختبار قدرة الدفاعات الجوية الأوكرانية على معالجة استراتيجيات مختلفة لإطلاق المسيّرات الانتحارية، كإرسالها بأعداد كبيرة على دفعة واحدة، واعتماد صواريخ باليستية بعيدة المدى بأنواع مختلفة، كما لتحقيق هدف استنزاف الصواريخ الاعتراضية التي تطلقها منظومات الدفاع الجوي الأوكراني، قبل نفاد الصواريخ والمسيّرات من روسيا.
أطلقت روسيا هذا الأسبوع 4 هجمات جوّيّة ضخمة على العاصمة كييف وخاركيف وزابوريجيا وأوديسا، التي تعتبر مدناً رئيسية في أوكرانيا، حيث أطلقت حوالى 228 صاروخاً روسي الصنع من أنواع مختلفة، بينها 10 صواريخ فرط صوتية من طراز «كينجال كي إتش 47» التي تمّ اعتراضها كلّها بواسطة نظام «باتريوت» الأميركي للدفاع الجوي، بالإضافة إلى 59 صاروخ «كروز» من طراز «كي إتش 101»، «كي إتش 555» و»كي إتش 55»، و6 صواريخ من طراز «أس 300» والباقي من طراز «كاليبر»، فضلاً عن أكثر من 200 مسيّرة انتحارية جميعها من طراز «شاهد 136» الإيرانية الصنع.
لكن ما كان لافتاً في الهجومين على زابوريجيا في 29 كانون الأوّل و2 كانون الثاني، والهجوم على مدينة خاركيف في 28 كانون الأوّل، أنّ الجيش الروسي قد استخدم صاروخاً من صنع كوريا الشمالية، حسب إعلان الناطق باسم مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي منذ يومين، الذي استند إلى تقارير الاستخبارات الأميركية التي تُفيد بأنّ نوع الصاروخ هو «كي أن 23» (هواسونغ جي أي 11) الباليستي القصير المدى، بعد فحص الشظايا المتبقّية، ما يؤكّد فرضية دول الغرب باعتماد الكرملين على بيونغ يانغ للحصول على الصواريخ التي تحتاجها لمواصلة عمليّتها العسكرية في أوكرانيا.
يشبه الصاروخ «كي أن 23» خارجيّاً الصواريخ الباليستية القصيرة المدى الروسية «إسكندر أم» والكورية الجنوبية «هيونمو»، وهو يعمل بالوقود الصلب ويطير في مسار شبه باليستي، حيث يتسطّح على ارتفاع حوالى 50 كيلومتراً. ويصل مداه إلى حوالى 450 كيلومتراً برأس حربي يزن 500 كلغ، علماً أنّ تقليل الحمولة يعطيه مدى أطول يصل إلى 690 كيلومتراً، ويُمكن أن يكون الرأس الحربي تقليديّاً أو نوويّاً، كما أنّه يعتبر دقيقاً بحيث يصيب الهدف في نطاق 100 متر باستخدام التوجيه عبر الأقمار الاصطناعية، أو في نطاق 200 متر باستخدام «آي أن أس» (أي في حال تمّ التشويش على الأقمار الاصطناعية بعد إطلاقه بنجاح).
الهجوم الروسي بالصواريخ الكورية الشمالية يؤكّد ضآلة الإحتياطات الروسية من الذخائر، فهو بمميّزاته قريب جدّاً من «إسكندر» الروسي، لذلك روسيا تحتاج إلى المزيد من الصواريخ من كوريا الشمالية والمسيّرات الانتحارية من إيران لتحقيق هدفها باستنزاف ذخائر الدفاعات الجوية الأوكرانية، أهمّها صواريخ «باتريوت» الاعتراضية، ما يعكس ضغطاً أوكرانيّاً وأوروبّياً على «الناتو» بزيادة الدعم. وهذا ما أنتج إعلان حلف «الناتو» أن ممثّلي التحالف العسكري وأوكرانيا سيعقدون اجتماعاً خاصاً الأسبوع المقبل للبحث في تسريع عمليات تسليم كييف منظومات دفاع جوي بعد تصاعد الضربات الروسية.
القلق الأوكراني من التحالف الروسي - الكوري الشمالي - الإيراني والصيني ينتقل إلى الدول الأوروبّية، خصوصاً بعد تحليق صواريخ روسية فوق الأراضي البولندية كانت متوجّهة إلى العمق الأوكراني، وهذا ما دفع أعضاء أوروبّيين في «الناتو» (ألمانيا وهولندا ورومانيا وإسبانيا) إلى توقيع عقد لشراء ما يصل إلى 1000 صاروخ «باتريوت» بقيمة 5.5 مليارات دولار، لتعزيز الدفاعات الجوية في مواجهة التهديد الروسي ولاستعادة إمكانية إعادة دعم أوكرانيا بأسلحة الدفاع الجوي، كما لإنشاء منشأة لإنتاج صواريخ «باتريوت» في ألمانيا من خلال مشروع مشترك بين شركتَي «أم بي دي أي» و»رايثون».