شبح عمليات الهدم الإسرائيلية يطارد سكان قرية فلسطينية في ظل الحرب (زاوية)

6 دقائق للقراءة

تمسح غدير الأطرش الدموع المنهمرة على وجنتيها وهي تقف أمام منزلها المهدّم في قرية فلسطينية محاذية لمستوطنات إسرائيلية، إذ يخشى المئات مواجهة المصير ذاته فيما تكثّف إسرائيل عمليات الهدم خلال الحرب.

تشهد الأراضي المحتلة منذ سنوات عمليات هدم تستهدف المنازل التي بُنيت من دون تصاريح صادرة عن السلطات الإسرائيلية يقول ناشطون إن حصول الفلسطينيين عليها يعد أمرا مستحيلا نظرا للقيود التي تفرضها إسرائيل.

لكن الناشطين يشيرون إلى أن عمليات الهدم تعكس التداعيات الأوسع للحرب على الفلسطينيين بما يتجاوز حدود قطاع غزة بعد هجوم مقاتلي حماس في السابع من تشرين الأول/أكتوبر على إسرائيل.

جمعت الأطرش، وهي أم لولدين، حوالى 200 ألف شيكل (54 ألف دولار) لبناء منزل في الولجة، القرية المنحوتة في التلال وبين كروم الزيتون في القرية المقسومة بين الضفة الغربية والقدس الشرقية المحتلتين. 

وقالت الأطرش (43 عاما) لفرانس برس وهي تقف أمام أنقاض منزلها الذي تم هدمه في شباط/فبراير الماضي "ترك ابني الجامعة. ادخرنا بعض المال وأخذنا القروض واستدنا من الناس لنشتري قطعة الأرض هذه".

وأضافت "بنيتها بتعبي.. أردت أن أستقر في حياتي".

تخشى عشرات العائلات المصير ذاته في وقت تنتظر البت في أوامر هدم منازلها.

سرّعت الحكومة الإسرائيلية منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر عمليات الهدم في المناطق الفلسطينية، في ما يصفها ناشطون بإجراءات عقاب جماعي تهدد بمفاقمة التوتر الذي يعد منسوبه مرتفعا في الأساس جراء القتال.

ومنذ الهجوم، نزح 444 فلسطينيا في "المنطقة ج" في الضفة الغربية والخاضعة لسيطرة إسرائيل بالكامل، والقدس الشرقية بعد عمليات هدم بحجة عدم وجود تصاريح بناء، وفق مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية "أوتشا". 

يمثّل ذلك زيادة نسبتها 36 في المئة في حالات النزوح منذ مطلع العام 2023، بحسب "أوتشا".

يعد الجزء الخاضع لعمليات الهدم في الولجة تابعا للقدس الشرقية حيث تفيد منظمة "عير عميم" الإسرائيلية الناشطة بأن عمليات الهدم ازدادت بأكثر من 50 في المئة في الأشهر الثلاثة منذ السابع من تشرين الأول/أكتوبر مقارنة مع باقي العام 2023.

- "قلق وخوف" -

ويؤكد محمود أبو خيارة، وهو عامل بناء وأب لثلاثة أطفال شيّد منزلا عام 2017 على أرض أجداده في الولجة "سواء كنت جالسا أم نائما.. مهما فعلت، أواصل التفكير في ما سيفعلونه بالنسبة للمنزل. ينهكنا الشعور بالقلق والخوف".

حوّلت سلطات بلدية القدس طلب فرانس برس الحصول على تعليق إلى وزارة المال  والادارة المدنية المسؤولة عن تنسيق الاعمال التابعة لوزارة الدفاع الاسرائيلية في الأراضي المحتلة (كوغات). ولم ترد أي الجهتين.

أيّدت المحكمة العليا الإسرائيلية أوامر الهدم الصادرة بحق 38 منزلا في الولجة التي تعد حوالى 3000 نسمة. وتؤكد "عير عميم" بأن ستة منازل على الأقل غير مشمولة في قرار التجميد، بما فيها منزل أبو خيارة، تواجه خطرا وشيكا.

أسفر هجوم حماس الذي أشعل الحرب عن مقتل 1140 شخصا في إسرائيل معظمهم مدنيون، وفق حصيلة لفرانس برس تستند إلى أرقام رسمية إسرائيلية.

في المقابل، أدت العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة إلى سقوط 23084 قتيلا في القطاع حتى الآن، وفق وزارة الصحة التابعة لحماس.

ويأتي ازدياد عمليات الهدم في ظل تصاعد أعمال العنف من قبل المستوطنين والعمليات العسكرية والقيود المفروضة على تنقل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة، ما يغذي المخاوف من تصعيد إضافي وأوسع نطاقا.

تندرج عمليات الهدم في إطار ما يصفها مكتب "أوتشا" سياسة تخطيط إسرائيلية "تمييزية".

ومنذ احتلت إسرائيل الضفة الغربية وضمت القدس الشرقية عام 1967، لم تضع السلطات أي خطط للتقسيم المدني في الولجة ضمن اختصاصها القضائي، ما جعل البناء بشكل قانوني أمرا غير ممكن بالنسبة للسكان.

وقال الباحث في منظمة "عير عميم" أفيف تاتارسكي لفرانس برس "يجد السكان أنفسهم بين خيارين: النزوح من الولجة حيث ولدوا وتعيش عائلاتهم أو البناء من دون رخصة ومواجهة خطر الهدم".

- "سنعيش في الشارع" - 

أعلنت إسرائيل القدس بأكملها عاصمة موحدة وأبدية لها، بينما يرى العديد من الفلسطينيين في عمليات الهدم محاولة لدفعهم للخروج من القدس الشرقية التي يطالبون بها كعاصمة لدولتهم الفلسطينية المستقبلية.

وتمددت مستوطنتا جيلو وهار جيلو اليهوديتان (وهما غير شرعيتين بموجب القانون الدولي) بالفعل في الأراضي التي تعد جزءا من الولجة.

كما أن القرية محاصرة بالجدار الفاصل في الضفة الغربية الذي شيّدته إسرائيل مطلع الألفية في مواجهة أعمال عنف قام بها فلسطينيون وحرم سكان الولجة من الوصول إلى المراعي وينابيع المياه العذبة.

يقول العديد من الفلسطينيين الذين تسلّموا أوامر هدم بأنهم يفضّلون هدم منازلهم بأنفسهم لتجنّب الرسوم الحكومية وتكاليف استئجار جرافات البلدية.

وقال القائم بأعمال مكتب "أوتشا" المعني بشؤون الأراضي الفلسطينية المحتلة غريغ بولي لفرانس برس إن "إسرائيل، على اعتبارها قوة قائمة بالاحتلال، ملزمة حماية الفلسطينيين".

وأضاف "يجب أن يكون لدى الفلسطينيين إمكانية الوصول إلى نظام تخطيط منصف وعادل".

أخذ سكان الولجة على عاتقهم جمع الأموال لتطوير خطة تقسيم بمساعدة خبير تخطيط إسرائيلي.

وتم رفع المقترح المفصّل الذي اطلعت عليه فرانس برس إلى سلطات التخطيط الإسرائيلية مطلع تشرين الأول/أكتوبر.

وتكشف السجلات القانونية بأن المحكمة العليا وافقت مطلع كانون الأول/ديسمبر على طلب السلطات إمهالها مدة تصل إلى أربعة أشهر لمراجعته.

في الأثناء، يبقى تهديد الهدم قائما.

وقال أبو خيارة وهو يحتضن طفله الرضيع "إذا هدموا منزلنا فسنعيش في الشارع".

اش/لين/ص ك

Agence France-Presse ©