كان ينقص تشكيل "لجنة" لبحث "ضمان الاستقرار الأمني وحفظ السلم الأهلي"، اقترحها رئيس الحكومة حسان دياب، لتضاف إلى سلسلة اللجان التي يعج بها السراي الكبير، حيث "ليس لكلامنا أي قيمة إذا لم نترجمه إلى أفعال"، كما قال أمس في لقاء بعبدا؟
لجنة أخرى يا رجل من أجل بضعة أفعال؟ أفعال على طريقة إنجاز الحكومة 97 في المئة مما وعدت به؟
جميل عنوان إبقاء الخلافات "تحت سقف السلم الأهلي"، ورفض إثارة النعرات الطائفية المذهبية، لكن تحت هذا العنوان يمكن لسلطة ثبت ضيق صدرها، أن تخوّن الحراك الشعبي وتتهمه. ففي كل جملة من البيان الختامي هناك استدراك وتحذير، يستدعيان القلق من أن يستغرق عقل من استسهلوا في الأشهر الماضية إصدار التوجيهات للقضاء، في المنحى القمعي ضد المحتجين في الشارع بحجة أنهم "معارضة عنفية". اللقاء الوطني غير الجامع يصبح في هذه الحال غطاء لهذا المنحى، لأن التحذير من الفتنة حصل على لسان الزعماء إفرادياً وجماعياً سبق اللقاء بأسابيع، إذا كان تداركها يتم بالتصريحات.
للاجتماع أهداف أخرى تحت عباءة "معالجة مفاصل الخلافات الكبيرة" و"تجاوز الرهانات السلطوية". لم ينجح في تحقيق هذين الشعارين لأن غايته كانت تكريس تلك الرهانات خلافاً لنص البيان الختامي، بالتزامن مع ملاحقات من قبل تلك السلطة لناشطين وثائرين على ما بلغه الوضع المعيشي.
وإذا كان يفترض تعويض غياب قوى رئيسة عن اجتماع القصر الرئاسي حرصاً على حد أدنى من توحيد الموقف، بالأخذ ببعض ملاحظات رموزها الذين برروا بها اعتذارهم عن عدم الحضور، في الاعتبار، فإن الأمر لم يقتصر على تجاهل هؤلاء وهم قوى سياسية وازنة، في الطائفة المسيحية (سمير جعجع- سليمان فرنجية- الرئيس أمين الجميل وسامي الجميل يمثلون الغالبية) أو السنية (4 رؤساء حكومة سابقين يمثلون الأكثرية الساحقة).
بل إن البيان المعد سلفاً تعاطى مع ملاحظات فريقين حضرا لقاء الأمس، هما الرئيس السابق ميشال سليمان ورئيس "اللقاء الديموقراطي" تيمور جنبلاط كأنها لم تكن.
جرى القفز فوق مطالبة سليمان باعتماد "إعلان بعبدا" الصادر في 11 حزيران 2012 الذي ينص على "تحييد لبنان عن سياسة المحاور والصراعات الإقليميّة والدوليّة وتجنيبه الانعكاسات السلبيّة للتوتّرات والأزمات الإقليميّة"، وعلى " ضبط الأوضاع على طول الحدود اللبنانيّة السوريّة وعدم السماح باستعمال لبنان مقرّاً أو ممراً أو منطلقاً لتهريب السلاح والمسلحين". كما نص على مناقشة "الاستراتيجية الوطنية للدفاع". بدلا منه جرى اعتماد عبارات عامة حول البحث في قانون "قيصر" بصيغة توحي بنية الالتفاف على العقوبات التي يفرضها، بحجة أنه يؤثر في هوية لبنان العربية.
أما المذكرة الشاملة التي قدمها جنبلاط، فبدلاً من الأخذ بتمسكها باتفاق الطائف واستكمال تطبيقه، وبالتحذير من تجاوزه وتوليد مغامرات غير محسوبة ورفض الفيدرالية، ورفضه لاستلحاق لبنان بأي دولة أخرى، دعا بيان لقاء الأمس إلى "تطوير نظامنا السياسي"...
وبدلاً من مطالبة "اللقاء الديموقراطي" و"الحزب الاشتراكي" بإعادة الاعتبار لقرارات الحوار الوطني في آذار 2006 ومنها ترسيم الحدود اللبنانية السورية (أعلن رفضه وليد المعلم)، ورفض تجديد "تلازم المسارين" فتح البيان الختامي المجال للاجتهادات بالحديث عن دور لبنان "الجامع"، المستحيل كدولة صغيرة.
اجتماع بعبدا كان أشبه بمونولوج.