"العقل حفظ التجارب"، هكذا وصّى امير المؤمنين نجله الامام الحسن، في وصية يفترض أن يقتدي بها كل محب لآل بيت النبوة، أو أن يظهر الاقتداء بها من يدعي حب هذا البيت. غير أن منهجية الإسلام السياسي الأعجمي دأبت منذ العام 1979 على إظهار حب علي والعمل بمخالفته، وإلا كيف تقرأ إهمال عهد الاشتر وتجاوز نهج الائمة وإعلان خلافة بدعوى ولاية الفقيه أي ان الفقيه يقوم مقام الإمام.
يصمم أحمد وحيدي على تجاوز حتى القواعد التي تأسست عليها الجمهورية الإسلامية فيفرض مع خلية حبيب وليَّ فقيهٍ غير مستوف الشروط الشرعية المقررة في المادة 109 من الدستور الإيراني، ويذهب في أنه "فكّر وقدّر" ثم عَبَسَ وبَسَر" "ثم أدبر واستكبر" ولم ينظر في وصية الأمير للإمام حين قال: " ولَا تُخَاطِرْ بِشَيْءٍ رَجَاءَ أَكْثَرَ مِنْه - وإِيَّاكَ أَنْ تَجْمَحَ بِكَ مَطِيَّةُ اللَّجَاجِ"، فلم يتعظ من تجارب النازية الألمانية ولا الإمبراطورية اليابانية وادعى قدسية و"لَبِسَ الإسلام لبس الفرو مقلوبا".
ألا وقد صيرها في حوزه خشناء يغلظ کلمها، ويخشن مسها، ويکثر العثار فيها، والاعتذار منها، فصاحبها کراکب الصعبة ان اشنق لها خرم، وان أسلس لها تقحم، فمني الناس لعمر الله بخبط وشماس، وتلون واعتراض، وهو يعاند في الهلاك ويخاطر بالجفاء ويقول في نفسه مقالة ليست فيه ويصارع بالناس مصارعة كأداء يشيب فيها الصغير ويهرم بها الكبير ويكدح فيها المؤمن حتى يلقى ربه.
وفيما خلية حبيب تخرج على أمر الامام، وتصر على شفاء قلوب الشنآن، وخالفت نهيه حين قال: "وَإِنْ عَقَدْتَ بَيْنَكَ وَبَيْنَ عَدُوِّكَ عُقْدَةً، أَوْ أَلْبَسْتَهُ مِنْكَ ذِمَّةً، فَحُطَّ عَهْدَكَ بِالْوَفَاءِ، وَارْعَ ذِمَّتَكَ بِالْأَمَانَةِ، وَاجْعَلْ نَفْسَكَ جُنَّةً دُونَ مَا أَعْطَيْتَ"، فأطلقت أذرعها في العراق لتضرب المملكة العربية السعودية، وفي اليمن لتغلق باب المندب وفي لبنان لتخرق وقف اطلاق النار وفي غزة لترفض حماس تسليم السلاح للسلطة الفلسطينية وإنما لطرف ثالث وكأن الجذر المستقر في كل تحركات الاذرع رفض شرعية الدول التي تنتمي إليها هذه الاذرع والخروج على سيادتها وتعطيل مساعي حكوماتها في تحييد البلاد والعباد عن أتون الجنون.
لم تكن الصواريخ والمسيرات التي استهدفت المملكة العربية السعودية عملا عسكريا ولا إرهابيًا بالمعنى التقليدي، بل كانت ضربًا لكل مفاهيم الاعتدال والتروي وكانت صواريخ موجهة إلى مساعي المملكة في تجنيب شعوب المنطقة، وفي مقدمتهم الشعب الإيراني، المزيد من الويلات والمآسي.
الصواريخ التي استهدفت المملكة لم تستهدف أراضي المملكة وما فيها من عتبات مقدسة بقدر ما استهدفت دور المملكة الداعم للبنان، هذا الدعم الذي شدّ من عزيمة الجمهورية اللبنانية، ورئيسها المقاوم الذي صمد أمام إملاءات اللوبي الصهيوني وقابل الرئيس الأميركي دون أن يكون نتنياهو ثالثهما، وهذا ليس تفصيلا: فمن الاشتراط أن تنعقد قمة تخرج بصورة ثلاثية إلى لقاء ثنائي يفرض على نتنياهو أن يستعيض بصورة تجمعه برمز وحدة البلاد وحامي الدستور بصورة عشاء تجمعه برجل أعمال (زوج السيدة اورتيغاس) لا صفة له في المؤسسات الدستورية اللبنانية. نصر واضح للبنان، سعى ذباب الحج الالكتروني للتشويش عليه عبر تضخيم صور العشاء واللقاء وافتتاح مسابقة تبارى فيها المتبارون على جائزة صاحب أكبر شتيمة وأطول فيلم محروق، وبذلك قدّم "حج البايجر" على عادته هدية مجانية لنتنياهو كجائزة ترضية تعوض فشله في إذلال لبنان.
وفيما تقوم خلية حبيب بكل هذا وتضرم النيران حيث أمكنها علقت وحدات الباسيج المشانق في أصفهان في تذكرة لأفعال السلاجقة في مدينة العلم التي أرساها بنو بويه العلويون الخصيبيون، فأصفهان تأسست حاضرة علمية في زمن الصاحب بن عباد البويهي الخصيبي، الذي سار على نهج شيخ الدين الحسين بن حمدان الخصيبي في تأسيس دور العلم في كل المدن التي تواجد فيها أبناء هذه الطريقة، فتأسس دار العلم الأول في حلب وانتشر منها إلى طرابلس واللاذقية وبغداد والموصل وأصفهان وحمص، وكانت حاضرة علمية جذبت إليها القلوب والعقول، وها هو أبو الفرج الأصفهاني يهدي كتابه الأغاني إلى سيف الدولة الحمداني في بلاط حلب.
وكما سحق محمد بن ملكشاه انتفاضة احمد بن عبد الملك بن عطاش في قلعة شاهدز في أصفهان سحق احمد وحيدي وقوات الباسيج وحركة النجباء تمرد الشباب المثقف وعلّقت المشانق في ساحة عليخاني على بعد كيلومترات قليلة من قلعة شاهدز التي ما تزال جدرانها تحمل ذكريات دماء مثقفين سعوا نحو التحرر في زمن آخر، فعادت هذه الدماء لتزهر من جديد في ساحة عليخاني في المدينة عينها، وكأن حجارة أصفهان التي أزهرت في عصر الأنوار الخصيبي مرصودة لتشرب دماء المثقفين الأحرار في تلك البقاع.
وفيما تشعل خلية حبيب داخل إيران وخارجها وتمارس كل أنواع الجنون في الإقليم وتستعدي كل الدول وتضعهم رغما عنهم في خانة الدفاع المشروع عن النفس، وهي تسير بخطى ثابتة بإيران نحو الانهيار والتقسيم نرى رئيس المجلس الإسلامي العلوي في لبنان، الذي يتقاضى راتبه من خزينة الدولة اللبنانية ومن موازنة رئاسة مجلس الوزراء، يصدح على منابر الضاحية بأن في يد الخامنئي عصا موسى يضرب بها من قلاه، فتقزّمت عصا موسى معه من آية ربانية تلقف ما يؤكفون وتشق البحر وله فيها مآرب أخرى إلى عصا يهش بها على غنمه إن هم عصوه، وهنا تكمن الإشكالية الفكرية في ذهن الإسلام السياسي في كل إرهاصاته، فهذه العقيدة لا ترى في القواعد الوضعية أية قيمة وبرأيها لا مشروعية إلا لخطابها ومقالتها حتى لو خالفا شرع الله وما ثبت في تراث أئمة الهدى.
تصمم القوى السياسية المتحكمة بالمجلس الإسلامي العلوي في لبنان على أخذ العلويين رهينة خيارات سياسية لم يطلبوها ولا يريدونها، فالعلويون هم أبناء الشرعية ولا يجدون في تحدي السلطات الدستورية إلا شططا، ولا يريدون في أي حالة من الأحوال أن يحسبوا على أي محور في الإقليم، وهذا ما يجب على من يتولى الخطاب باسم العلويين أن يراعيه لا أن يقحمنا فيما لا يعنينا ولا يهمنا ولذلك يسعى الحج سعيه ويناصب جهده لفرض قانون غريب عجيب على العلويين ويرفض قانونا ينبثق من الهوية الجمعية الدينية لهذه الطائفة ويصمم في مناسبة أو غير مناسبة ان يستعدي كل حر في هذه الطائفة وأن ينكّل به ويسحله على وسائل التواصل الاجتماعي فمعركة التمديد للسبعين وإبقاء السيطرة على الطائفة العلوية هي من الضرورات التي فضّل الحج أن يتنازل في جلسة مجلس الوزراء في 20/11/2025 عن "منع تصويت المغتربين" مقابل صدور المرسوم 1917/25 الذي يمدد هيمنة حزب الله على الطائفة الإسلامية العلوية ويلغي أي أمل باستعادة هذه الطائفة لهويتها الجامعة.
هذا الجنون لن يفت من عزيمتنا ولن يضعف من بأسنا وسنقول في مواجهة كل الطواغيت وأولهم الحج وزمرته: "فَكِدْ كَيْدَكَ، وَاسْعَ سَعْيَكَ، وَنَاصِبْ جُهْدَكَ، فَوَاللهِ لا تَمْحُو ذِكْرَنَا، وَلا تُمِيتُ وَحْيَنَا، وَلا تُدْرِكُ أَمَدَنَا، وَلا تَرْحَضُ عَنْكَ عَارَهَا. وَهَلْ رَأْيُكَ إِلا فَنَدٌ، وَأَيَّامُكَ إِلا عَدَدٌ، وَجَمْعُكَ إِلا بَدَدٌ، يَوْمَ يُنَادِي الْمُنَادِي: أَلا لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ".