عند الساعة الخامسة والنصف صباحاً، يركن فان محمل بالأطفال قرب غاليري الإتحاد، وفي الوقت نفسه فان آخر يتوقف بجوار ملعب فؤاد شهاب في جونية. تفرغ المركبتان حمولتيهما من الأطفال الذين ينتشرون على الطرقات، ويستقر كل منهم في بقعة عمل محددة. هنا بائع محارم لا يتعدى عمره الخمس سنوات يتنقل في وسط الطريق، وآخر يهرول خلف سيارة مشروع زبون بعدما أوحى له أن القبعة ـ الشمسية جميلة لكن سعرها لا يناسبه، بائع عبوات مياه بالكاد يُرى من نوافذ المركبات. ودائماً يوجد شرطي ينظم السير ويراقب نشاط الباعة المتجولين.
من البترون إلى المدفون، نكمل السير باتجاه أوتوستراد جونية، فأوتوستراد ضبية، ثم أنطلياس، وصولاً الى جسر فؤاد شهاب ووسط العاصمة، محطات ثابتة ونقاط بيع متنقلة. فجأة ينبت أمام نافذة سيارتك صبي حافي القدمين أو فتاة تومئ لك أنها بحاجة أن تبيع علكة لتسد رمقها. كل يبيع على هواه والبضاعة تختلف بحسب المواسم. ففي زحمة السير وارتفاع الحرارة عبوات المياه المثلجة تناديك، كما ينشط المنادون على واقيات الشمس والقبعات والمراوح، على مشارف الأعياد بالونات ملونة وألعاب...في الشتاء، يركز الباعة الكبارعلى بيع العباءات، والسجاجيد وجلود الخراف... وهناك سلع لكل المواسم وهي طاولات الزهر، والقوس والنشاب، والدمى، والعطور، وزينة السيارات وأوراق اللوتو. والباعة الكبار كانوا قبل سنوات أقل خبرة وبالكاد يقوون على تحمّل الشمس والمطر.

"انهم في المكان الغلط ووضعهم غير قانوني"، يقول مصدر في وزارة العمل، ويتابع: "فلا يحق للبناني او للأجنبي التجول والبيع بهذه الطريقة. ولكن صلاحياتنا القانونية كوزارة، تمنعنا من ملاحقتهم أو توقيفهم، فهذا يندرج ضمن واجبات البلديات والقوى الأمنية". لا صلاحيات لوزارة العمل فماذا عن البلديات؟
هناك بلديات تتحرك وأخرى لا حول ولا قوة. على سبيل المثال نجحت بلدية ضبية في تخفيف هذه الظاهرة على أوتوسترادها خصوصاً بعد اتخاذها التدابير اللازمة بحق الباعة المتجوّلين، فباتوا يهربون لمجرد رؤية شرطة البلدية. وبحسب بلدية ضبية "المؤسف، أنّ غالبية الباعة أطفال، ما يصعب علينا الأمر، ولا سيما من الناحية الإنسانية. أمّا من الناحية القانونية فكانت شرطة البلدية تلاحقهم وتلاحق سيارات البسطات المركونة الى جانب الاوتوستراد. وتكمن المشكلة أننا لا نعرف من أين "يخلقون"، وكيف "يتبخرون"... ففي اقل من 10 دقائق تراهم ينتشرون على طول الاوتوستراد بين السيارات، وعند ملاحقتهم نجهل طريقتهم في الفرار".
على اشارة كورنيش النهر، يتمركز عنصر لقوى الأمن الداخلي، الى جانبه رهط من باعة الطرق والتقاطعات مع منتجاتهم المتنوعة... يوماً يبيعون المياه الباردة ويوما آخر يبيعون "الطائرات" الملونة، أو وسادات المقاعد أو المحارم...
يتغلغل "علي" الطفل السوري الذي لا يتعدى عمره الخمس سنوات، بين السيارات، وبالكاد يساعده طوله في الوصول الى نافذة السيارة. يطرق على "الشباك" بأصابعه وفي يده علبة محارم، يحدّق بك. يمارس عليك الضغط المعنوي ولن يتحرك قبل الضوء الأخضر ونيله مراده.
"اعطيني ألف، الله يخليكي"، يقول علي. تعطيه ألفا ويرفض قبولها كهبة فيناولك علبة المحارم وفي حال طلبت منه أن يحتفظ بها لبيعها إلى زبون آخر، يرفض "لا لا بدي خلص وروح آكل، من الصبح أنا هون".
يحدث هذا المشهد، بالقرب من الدركي بشكل طبيعي وعادي، وكأنه مشهد طبيعي وروتيني. فهل هذا أمر طبيعي ومسموح به؟
بالطبع لا. ما يقوم به الباعة المتجولون على الطرق مخالف للقانون ويوجب تسطير محضر إداري أولاً بحقهم، على أن يتم توقيفهم وتنفيذ محضر عدلي في حال تكرار المخالفة لاحقاً.

فرع المعلومات لضبط المشكلة
"المشكلة، أنّ غالبية الباعة قاصرون"، هذا ما يؤكده مصدر أمني رفيع لـ"نداء الوطن"، وما يحصل أنه "يتم تبليغ المدعي العام عند القبض على البائع المتجول، على أن يحضر مندوب الأحداث (في حال أتى) وينفذ المحضر، ويطلب المدعي العام تسليمه الى الجمعيات الخيرية".
نظرياً، هكذا يجب أن يطبق القانون، أمّا عملياً "فلا حياة لمن تنادي". وبحسب المصدر الأمني نفسه "يوجد نقص في عدد العسكر، لذلك نوجه العمل بحسب أهمية الحدث من الاهم الى المهم. وبكل صراحة، لضبط هذا الموضوع، يجب تجهيز "دورية " مخصصة لهذه الحالات. وفي السابق كنا نعتمد هذا "التكتيك"، وكنّا نقبض على الباعة المتجولين ونتخذ التدابير اللازمة، ونسلمهم للجمعيات الخيرية، الّا أنهم كانوا يهربون ليلاً. كذلك، كانت ترفض بعض الجمعيات استقبالهم أحياناً، وهنا تكمن المشكلة، فأين نضعهم؟".
تدرك قوى الأمن أنّ وضع الباعة المتجولين غير قانوني، وقد كلّف فرع المعلومات في السنوات الماضية، بإلقاء القبض على المخالفين ومهد لهذا التدبير بحملة إعلامية، ما أدّى الى الحد من هذه الظاهرة. ويشير المصدر الى أنّ "معالجة الموضوع تتطلب أمراً من "العالي" أي من وزارة الداخلية، لتوكيل جهاز معين بهذه المهمة. لا يمكننا إصدار أوامر خاصة بالقاء القبض عليهم"، وأضاف أنّ "كل فصيلة لديها صلاحية مكانية لا يمكن أن تتخطاها، بينما الاستقصاء والمعلومات يتمتعان بصلاحية التنقل على مساحة كل لبنان، مع إمكان التموه ما يسهل تحقيق الهدف. ولا شك أنّ هذه الظاهرة المتفشية بشكل كبير تتطلب إصدار قرار والعمل بجدية للإمساك "بالروس" ومحاسبتهم، ومساعدة الأطفال الضحايا".
لا تستقبل كل الجمعيات اللبنانية الأطفال الذين على الطرق، ولا يمكن للجمعيات التابعة للدولة إستقبال من هم من دون أوراق، فتتولى الجمعيات غير الحكومية مهمة الإهتمام بالأطفال "الضحايا"، من بينهم جمعية "سعادة السماء" للأب مجدي علاوي، الذي يخبرنا أنّ "هذه السنة، سجلت النسبة الأعلى للأطفال على طرق لبنان. والمضحك، احتفال المرجعيات السياسية والدينية بعيد الطفل من مبدأ "شوفيني يا منيرة" من دون أي تحرك جدّي". وأضاف: "نحن نخرج الأطفال من كل طرق لبنان، من دون أن نسأل عن جنسيتهم أو عن دينهم ونستقبلهم في جمعيتنا. الّا أنّنا واجهنا مشكلة في طرابلس بعد اعتراض إحدى المرجعيات الدينية، وإصدارها قراراً بإخراج الأطفال من الجمعية، بحجة أنّهم مسلمون والجمعية مسيحية، على أساس أنها ستهتم بهم، الّا أنّ هذا لم يحصل وأعادوهم الى الشارع... فمتى أصبح تعلم دين الآخر أخطر من الشارع؟ الاّ أننا اليوم، نأخذ على عاتقنا إخراج الأطفال ما دون الـ 5 سنوات من الشارع والاهتمام بهم في جمعيتنا "وما عم من رد عحدا". ومن لديه إعتراض فليؤسس الجمعيات وليأخذ الأطفال ويهتم بهم. قبل ذلك، لن أسمح لأي شخص مهما كبر شأنه، أن يترك أي طفل على الطريق بسبب طائفته، فأنا إنسان قبل كل الطوائف".
يتعاون الأب مجدي مع قوى الأمن الداخلي والقضاء واتحاد حماية الأحداث لاستقبال الأطفال من دون أوراق في الجمعية، ويقوم بدوره بتصوير حالات من عمالة الأطفال على الطرق وارسالها للمعنيين، لتحريك الموضوع وإخراجهم من الشارع، ولحمايتهم في بعض الأحيان من شرطة البلدية التي تقبض عليهم وتتعدى بالضرب على اجسادهم الهزيلة، لطردهم من شوارعها، وحتّى أنّ الـ"Valet Parking" أيضاً يتعرضون لهم من دون رحمة، بحسب الأب مجدي. وفي حين يهرب بعض الأطفال من الجمعية، لعدم تمكنهم من الانضباط والتخلي عن العادات السيئة المكتسبة في الشارع، يندمج القسم الأكبر في الحياة الجديدة التي تؤمنها الجمعية لا سيما أنّها توفر للطفل فرصة إعادة التأهيل في المجتمع من خلال برنامج محو الأمية ودخول المدرسة، ومتابعته من خلال فريق طبي وأكاديمي.

"وينيي الدولة"؟
ويشير الأب مجدي الى أنّ "في ظل تقاعس الدولة عن مسؤوليتها لا سيما في ما يخص المحافظة على حقوق الأطفال والمسنين، أخذنا على عاتقنا هذه المهمة، ونحن لا نطلب شيئاً من الدولة سوى أن تعطينا الأماكن الخالية التابعة لها، كالمدارس العامة والمؤسسات المغلقة، والتي يمكن أن نجهزها لاستقبال عدد أكبر من المحتاجين الى المساعدة. الّا أنّ المعنيين يمتنعون عن الاستجابة لطلباتنا بحجة القانون... القانون الذي لا يمنعهم من ترك الأطفال على الطرق وتعرضهم لخطر القتل والإغتصاب والمخدرات وغيرها، بدل ملاحقة مشغليهم وتوقيفهم ومساعدة الأطفال من خلال إعادة تأهيلهم لضمان مستقبل أفضل لهم".