ضربة إيرانية جديدة لعمليات الشحن في البحر الأحمر

02 : 00

مدمرة «البرز» تُطلق صواريخ كروز خلال مناورات بَحرية للجيش الإيراني في خليج عُمان

لم تمرّ بضع ساعات من العام 2024 حتى أرسلت إيران الفرقاطة الحربية «البرز» إلى البحر الأحمر. كان وصولها خبراً سيئاً جديداً بالنسبة إلى قطاع الشحن الذي يواجه أصلاً أزمة حادة بسبب اعتداءات الحوثيين المدعومين من إيران ضد السفن التجارية. شهدت الأيام الأولى من هذه السنة مجموعة من الهجمات الحوثية الجديدة. نتيجةً لذلك، يضطر المدراء التنفيذيون الآن لاتخاذ قرارهم حول المجازفة بعبور البحر الأحمر وقناة السويس الأساسية أو قطع مسارات أطول وأعلى كلفة، من دون أن يعرف أحد ما تخطط له إيران أو الرد المتوقع من الولايات المتحدة وحلفائها البحريين.



كان وصول سفينة «البرز» رداً على نشاطات «تحالف حارس الازدهار» الذي تقوده الولايات المتحدة لكبح عمليات القرصنة التي يقوم بها الحوثيون. في ليلة رأس السنة، تلقت المروحيات التابعة للبحرية الأميركية على متن حاملة الطائرات «دوايت د. أيزنهاور» نداء استغاثة من سفينة الحاويات «ميرسك هانغتشو» التي كانت ترفع علم سنغافورة وتعبر البحر الأحمر. كانت السفينة تمرّ بتلك المساحة لأن خط الشحن الدنماركي «ميرسك» الذي يملكها اعتبر هذه العملية آمنة بما يكفي بعد إطلاق «تحالف حارس الازدهار».

كانت البحرية الأميركية قد أسقطت الصواريخ التي أطلقها الحوثيون في اتجاه سفينة «ميرسك هانغتشو» قبل ساعات. لكن أصرّ الحوثيون على متابعة عملياتهم، فعادوا مجدداً في أربعة زوارق صغيرة هذه المرة، وأطلقوا النار نحو سفينة الحاويات، وحاولوا ركوبها ومصادرتها. ردّت البحرية الأميركية عبر إغراق ثلاثة من تلك السفن. قُتِل عشرة مسلحين خلال هذه العملية. ثم غيّرت شركة «ميرسك» مسار سفنها مجدداً.

لم تكن هذه الشركة الدنماركية العملاقة الجهة الوحيدة التي أقدمت على خطوة مماثلة. تكشف أرقام خدمة «لويد ليست إنتليجنس» المعنية بحركة السفن أن حوالى 315 سفينة كانت تعبر البحر الأحمر يومياً بين 25 و31 كانون الأول. خلال الفترة نفسها من العام 2022، بلغ هذا العدد 385 سفينة يومياً، ووصل المتوسط اليومي في تشرين الثاني الماضي إلى 386 سفينة.

بعد أقل من يوم على إغراق زوارق الحوثيين الثلاثة على يد البحرية الأميركية، أبحرت سفينة «البرز» عبر خليج عدن ورَسَت في البحر الأحمر. لا تُعتبر هذه السفينة بريطانية الصنع أفضل ما تملكه البحرية الإيرانية: سيبلغ عمرها 55 عاماً هذه السنة. في الأشهر الأخيرة، بدأت إيران توسّع قواتها البحرية. في العام 2022، ذكرت التقارير أنها أضافت زورقاً خاصاً بالدوريات القتالية وسمّته تيمناً بقاسم سليماني، الجنرال الإيراني الذي قُتِل بضربة طائرة مسيّرة في العام 2020، ويقال إن البحرية الإيرانية أعلنت أن ذلك الزورق «غير قابل للرصد» ويمكنه أن «ينفذ عمليات متنوعة في المساحات المائية البعيدة». كذلك، أضافت القوات البحرية زوارق صاروخية وطوّرت سفناً عدة، وتلقّت أيضاً «مجموعة متنوعة من المعدات العسكرية التي تم تطويرها وإنتاجها محلياً. ما يثير القلق هو تطرّق القوات البحرية إلى قدرة السفينة الحربية الجديدة على «الإبحار ضمن مساحة يبلغ نصف قطرها 2000 ميل بحري من دون أن ترصدها أجهزة الرادار وأنظمة المراقبة العدائية»، علماً أن تصنيعها في إيران اقتصر على 15 شهراً.

رغم عمر سفينة «البرز»، استعملتها طهران في الماضي لمرافقة سفن تجارية إيرانية يُشتبه بنقلها للأسلحة إلى الحوثيين. يحمل وصول هذه السفينة دلالات كبرى، ويضطر مدراء الشحن الآن لتخمين معنى ما يحصل. يقول نيل روبرتس، سكرتير لجنة الحرب المشتركة في قطاع التأمين البحري: «وصول سفينة «البرز» هو نوع من التحذير حتماً. إنها خطوة تصعيدية. لكن لم تتضح مهمّتها بدقة بعد. هي تقبع في ذلك الموقع بكل بساطة». هل ستكتفي سفينة «البرز» بمرافقة السفن التجارية الإيرانية التي تجلب الأسلحة إلى الحوثيين؟ أم أنها ستتدخل إذا ردّت البحرية الأميركية أو أي قوة غربية أخرى في البحر الأحمر على الاعتداءات الحوثية؟

يقول سايمون لوكوود، مدير الشحن في شركة وساطة التأمين «ويليس تاورز واتسون»: «لم تتضح نوايا الإيرانيين في البحر الأحمر وخليج عدن بعد. هل يريدون تخريب عمل القوات البحرية المتحالفة مع الولايات المتحدة؟» يهاجم «الحرس الثوري» الإيراني السفن التجارية في مضيق هرمز منذ وقت طويل، لكن يُعتبر هذا المضيق بيئة مألوفة بالنسبة إلى إيران. في المقابل، يقع البحر الأحمر على الطرف الآخر من شبه الجزيرة العربية. في 5 كانون الثاني، غيّرت شركة «ميرسك» مسار جميع سفن الحاويات التابعة لها من البحر الأحمر إلى طريق «رأس الرجاء الصالح». في اليوم التالي، أطلق الحوثيون هجومَين آخرَين.

يصعب توقّع مهمّة سفينة «البرز» في البحر الأحمر واحتمال أن تنضم إليها سفن بحرية إيرانية أخرى، لكن بات مدراء الشحن مضطرين لتوقّع ما سيحصل (أرسلت إيران سفينة مراقبة إلى البحر الأحمر أيضاً منذ وقت طويل). يوضح روبرتس: «قبل أن تطلق الدول «تحالف حارس الازدهار»، كاد أصحاب السفن يغيرون مسارات سفن كثيرة من البحر الأحمر. ثم قررت شركة «ميرسك» إعادة الدخول إلى البحر الأحمر، قبل أن تغيّر مسارها مجدداً في الفترة الأخيرة. في كل مقر رئيسي للشحن، يناقش المدراء التنفيذيون خيار تغيير مسار السفن. يجب أن يتوقعوا ما سيحصل: هل سيتم استهدافهم فعلاً؟ لكن لا تقتصر المسألة الأساسية على قرار الحوثيين باستهداف السفن. قد تتعرض أي سفينة للهجوم. لا تُعتبر هذه الصواريخ دقيقة على نحو خاص». يبدو أن طبيعة الاعتداءات العشوائية هي التي تنشر الهلع في قطاع الشحن. اعتادت خطوط الشحن وطواقم السفن على التعامل مع أحوال الطقس القاسية لأن الطقس يمكن توقعه، فهو يتبع نمطاً محدداً على عكس تصنيفات الحوثيين للسفن «المرتبطة بإسرائيل».

يبرز أيضاً احتمال أن تشتعل النيران الإيرانية بقوة مضاعفة. لكن قد تزيد أيضاً الصواريخ الحوثية وأنواع أخرى من الاعتداءات لأن البحرية الأميركية وأعضاء «تحالف حارس الازدهار» التابع لها سيجدون صعوبة في الرد على اعتداءات الحوثيين بسبب وجود سفينة «البرز» وسفن إيرانية محتملة أخرى في البحر الأحمر. سبق وبلغت مخاطر الحرب في البحر الأحمر مستويات خطرة تتراوح بين 0.45 و1 في المئة، وهو مستوى أعلى بكثير من المخاطر المطروحة في موانئ خطرة مثل بنغازي. في بداية كانون الأول، كانت مستويات المخاطر في البحر الأحمر لا تزال بحدود 0.07 في المئة، ما يعني أن السفينة التي تبلغ قيمتها الإجمالية 10 ملايين دولار مثلاً قد تدفع الآن تأميناً من مخاطر الحرب بقيمة تصل إلى 100 ألف دولار.

لكن لا يجهل مدراء الشحن مهمّة سفينة «البرز» واحتمال أن تنضم إليها سفن بحرية إيرانية أخرى أو قيامها بمراقبة فردية في البحر الأحمر فحسب، بل إنهم غير واثقين أيضاً من أهداف «تحالف حارس الازدهار». يتساءل روبرتس: «هل تقتصر مهمّته على الدفاع؟ هل يستعد لمهاجمة القوات الحوثية مسبقاً؟ هل انتشر هناك لإنشاء ممر يرافق السفن ويحميها؟ يبدو أن الحلفاء لا يُجمِعون على استراتيجية واضحة بعد. عندما تتّضح الخطوات التي يُفترض أن يتخذها «تحالف حارس الازدهار»، سيتمكن المدراء التنفيذيون من اتخاذ قرار أكثر وضوحاً». لكن يتوقف ذلك القرار أيضاً على اقتناع المدراء بفاعلية تلك المهمّة وقدرتهم على توقّع الخطوات التي ستتخذها إيران رداً عليها.

في 5 كانون الثاني، أدلى محمد علي الحوثي، رئيس اللجنة الثورية العليا للحوثيين، بتصريح تصعيدي لقناة «بي بي سي»، فقال إن سفن كل بلد في تحالف البحر الأحمر سيتم استهدافها. يتوقف تفسير هذا الموقف على الحوثيين.

قد تتغير نوايا إيران طبعاً بحسب مسار الصراع المستمر بين إسرائيل وحركة «حماس». قد تقرر طهران مثلاً اعتبار نشر سفينة «البرز» وسفن أخرى محتملة في البحر الأحمر كافياً لإخافة خطوط الشحن الغربية وزعزعة «تحالف حارس الازدهار». لكن يرتفع احتمال اندلاع اشتباك خطر كلما انتشرت فرقاطة في مياه متنازع عليها. ماذا ستفعل البحرية الأميركية إذا هبّت سفينة «البرز» لمساعدة الزوارق الحوثية حين تصبح في مرمى النيران الأميركية وإذا انضمت إليها سفن إيرانية أخرى؟ لا عجب في أن يتوقع قطاع الشحن خلال هذا الشهر وحده أن تواجه السفن مداهمات من الميليشيات واعتداءات بالطائرات المسيّرة، والصواريخ المضادة للسفن، والعبوات الناسفة المحمولة بالمياه.