في الوثائقي الجديد Curry & Cyanide: The Jolly Joseph Case (كوري والسيانيد: قضية جولي جوزيف)، تنتقل الكاميرات إلى ولاية «كيرلا» الهندية المعروفة بنوعية الحياة الفاخرة وارتفاع معدل التعليم، ومع ذلك تشهد تلك المنطقة سلسلة من أفظع جرائم القتل التي عرفها البلد على الإطلاق.
تتركّز الأحداث في بلدة «كوداثاي» الهادئة، في الجزء الشمالي من «كيرلا»، حيث قُتِل ستة أشخاص من العائلة نفسها على مر 14 سنة، منهم طفل في عمر السنتَين. جولي جوزيف هي امرأة عادية في منتصف العمر، لكن يبدو أنها المُشتبه بها الرئيسية في هذه القضية. يقال إنها سمّمت وقتلت أفراداً من عائلة زوجها، وزوجها الأول، وزوجة زوجها الثاني، وابنته الصغرى.
الفيلم من إخراج كريستو تومي الفائز بجائزة وطنية عن أعماله، ويتزامن عرضه مع استمرار القضية في المحاكم، لذا من الطبيعي ألا يتم الكشف عن تفاصيل كثيرة. يشمل الوثائقي شهادات وافية من الشرطي المتقاعد كي جي سايمون الذي قاد التحقيق بهذه القضية سابقاً، وابن جولي، ريمو، وشقيق زوجها روجو، وشقيقة زوجها رينجي، ومحاميها با ألور، بالإضافة إلى صحافي، وناشط اجتماعي، وخبير نفسي، وعالِم سموم.
على غرار جميع الجرائم، يجب أن نطّلع أولاً على حيثيات القضية (من، لماذا، كيف؟). تعرف جميع الشخصيات المشارِكة في الوثائقي هوية مرتكب جرائم القتل، باستثناء محامي الدفاع ألور، ويُركّز الفيلم في معظمه على شرح كيفية وقوع تلك الجرائم. لكنه يقتصر للأسف على محاولة مبهمة لتفسير أهم سؤال: ما سبب ارتكاب هذه الجرائم؟
تُعرَض معظم الأعمال الوثائقية المتعلقة بجرائم مستوحاة من أرض الواقع على شكل حلقات عدة على شبكة «نتفلكس»، لكن اختار صانعو العمل عرض هذه القضية على شكل فيلم مدته ساعة ونصف. إنه خيار غريب لأن القضية امتدت على فترة طويلة قد تصل إلى عشرين سنة. لهذا السبب، يعجز الوثائقي عن طرح تفاصيل دقيقة، ما يترك المشاهدين أمام مجموعة كبيرة من الأسئلة العالقة فيما يحاولون استيعاب فظاعة الجرائم المرتكبة.
في المقابل، يستند مسلسل Death, Lies & Cyanides (الموت، والأكاذيب، والسيانيد)، الذي يُعرَض على شكل تدوين صوتي على منصة Spotify، إلى السلسلة نفسها من جرائم القتل. هو يعجّ بالتفاصيل والحوارات المشحونة، لكنه يرتكز في معظمه على سجلات الشرطة.
بشكل عام، يشتهر هذا النوع من الأعمال الوثائقية بسبب طريقة استكشافه لخلفية المجرم، وحالته النفسية، وحرصه على طرح وجهات نظر متنوعة حول القضية. لكننا سنعرف في هذا الوثائقي أن جولي كانت تنتمي إلى عائلة زراعية من المناطق العليا، ثم تزوجت لاحقاً من رجل من عائلة بوناماتام الثرية. يقال أيضاً إنها كانت خبيرة في الاحتيال، ويتّضح هذا الجانب من شخصيتها في طريقة تزويرها شهاداتها الجامعية. ستكون هذه العملية نقطة بداية لجميع الجرائم اللاحقة.
لكن حبذا لو تضمّن العمل شهادة واحدة يمكن الوثوق بها على الأقل، كأن يتكلم صديق من طفولتها أو أحد أفراد عائلتها لمساعدتنا على فهم شخصية جولي والسبب الأصلي وراء ميولها الإجرامية. كان الفيلم ليستفيد كثيراً من هذه المعلومات والشهادات الصادقة من بلدة «كاتابانا» التي أمضت فيها جولي أولى مراحل حياتها.
ربما يمتنع الوثائقي عن التعمق في حالة جولي النفسية، لكنه دقيق في طريقة عرضه للألم الذي عاشه من تبقّى من أفراد عائلة بوناماتام، لا سيما الولدان روجو ورينجي. لا يناديها ابنها الأكبر، ريمو، «أمي» بل إنه يفضّل استعمال لقب «كاكشي» أو «فياكثي» عند التكلم عن جولي. هو يستحق الإشادة لأنه يحافظ على قوته رغم الظروف المريعة التي عاشها. هو يقول إنه ما كان ليصمد لولا عمّته رينجي التي وضعت الولدَين تحت جناحَيها ومنحتهما حب الأم الذي افتقداه وكانا بأمسّ الحاجة إليه. يمكن اعتبار رينجي بطلة القصة الحقيقية أصلاً، فهي أول من شعر بوجود خطبٍ كبير في جرائم القتل، ثم لجأت إلى القانون رغم رفض جميع الأطراف المعنية، وهي التي حاربت بكل قواها من أجل الضحايا. تدمع عيناها في معظم الأوقات حين تتذكر تلك الظروف المريعة، لكن يسهل أن نشعر بسعادتها لأنها أنقذت أولاد شقيقها من معاناة إضافية.
بحلول نهاية الوثائقي، يسهل أن ندرك أنه لا يقدّم تفسيرات كافية لفهم شخصية القاتلة المتسلسلة جولي، لكنه يكشف في المقابل طبيعة الردود التي تبديها مجتمعات تُعتبر متقدمة مثل «كيرلا» على هذا النوع من الجرائم. عند اصطحاب جولي لجمع الأدلة عن هذه القضية، يبدأ الرجال بإطلاق صيحات الاستهجان ضدها ويستعملون كلمات للتشهير بها وشتمها. في غضون ذلك، تنشغل وسائل الإعلام المحلية بنشر كلمات فاضحة. في الوقت نفسه، سنشاهد كيف تمنع مشاعر الكبرياء والنزعة إلى التمسك بالسمعة الحسنة أفراد العائلة والمجتمع عموماً تشريح الجثث بعد الوفاة، رغم زيادة الشكوك بشأن الجرائم المرتكبة في البداية. يُعتبر هذا النوع من الأعمال مهماً لقمع هذه المفاهيم الخاطئة وإطلاق نقاشات جدّية حول المسائل الشائكة تمهيداً لإنشاء مساحات أكثر أماناً لجميع الناس، حتى داخل الأوساط العائلية التي تُعتبر آمنة ظاهرياً لكنها لا تكون كذلك في جميع الحالات.