الياس دمّر

من بيروت إلى هوليوود

جان-كلود كلش... اللبناني الذي يُضيء أفلام "Pixar"

6 دقائق للقراءة

ليست الصورة في أفلام "Pixar" مجرد عنصر جمالي، بل جزءًا أساسيًا من الحكاية. فمنذ ما يقارب ثلاثة عقود، يشارك مدير التصوير اللبناني جان-كلود كلش في رسم الهوية البصرية لأعمال رسّخت مكانتها في ذاكرة السينما العالمية، من أفلام "Toy Story 2" و ".Monsters, Inc" و "Cars" و "Up"، إلى "Toy Story 4" و "Elemental"، وصولا اليوم إلى "Toy Story 5". وخلال هذه السنوات، واكب التحولات التقنية التي غيّرت صناعة أفلام التحريك، من دون أن يتخلى عن قناعة راسخة بأن التكنولوجيا ليست غاية في حدّ ذاتها، بل وسيلة لخدمة المشاعر.

بعد تفوّق "Toy Story 5" عالميًا، يرى كلش أن سرّ نجاح السلسلة لم يكن يومًا في شخصياتها الشهيرة وحدها، بل في قدرتها على ملامسة تجارب يعيشها الجميع. ويقول في حديثه مع "نداء الوطن": "هذه الأفلام تتحدث عن النموّ والمضي قدمًا، والشعور بأنك لم تعد تنتمي إلى المكان نفسه. هذه الموضوعات لا تفقد أهميتها مع التقدم في العمر، بل تصبح أكثر تأثيرًا. لذلك يجلس الأطفال والكبار في الصالة نفسها، ويتأثرون بالقصة نفسها، وإن كان كل منهم يشعر بها بطريقة مختلفة".

هذا البعد الإنساني كان أيضًا نقطة الانطلاق في العمل على الجزء الخامس. فالتحدي، كما يصفه كلش، لم يكن ابتكار عالم جديد، بل العودة إلى عالم يعرفه الجمهور ويحمله في ذاكرته منذ ثلاثين عامًا، مع منحه في الوقت نفسه روحًا مختلفة. ويضيف: "في كثير من الأحيان، عندما لا تعرف تمامًا كيف ستُحلّ المشكلة، تصل إلى أفضل النتائج"، مؤكدًا أن هذه الفلسفة رافقت فريق العمل طوال مراحل الإنتاج.

ويكشف كلش أن الفيلم ينتقل بين عالمين متناقضين: أحدهما دافئ يفيض بالحنين، والآخر بارد وحديث. فقد صُمّمت الإضاءة لتجعل المشاهد يشعر بهذا التوتر حتى قبل أن يبدأ الحوار. أما إحدى الشخصيات الجديدة، "Lilypad"، وهي شاشة رقمية، فاستلهم الفريق طريقة إضاءتها من مشهد مألوف في حياتنا اليومية: انعكاس الضوء الأزرق لشاشات الهواتف على وجوه مستخدميها. ويوضح في هذا الإطار: "راقبنا كيف يجذب ضوء الهاتف انتباه الناس في الواقع، وحاولنا أن ننقل هذا الإحساس إلى الشاشة. لكن هدفنا لم يكن صنع صورة جميلة، بل أن يشعر المشاهد بما تعيشه الشخصية".

لا يخفي جان-كلود كلش أن أكثر التجارب إثارة في الفيلم كانت تلك المرتبطة بخيال الطفل. فعندما يغرق الطفل في اللعب، يختفي العالم الواقعي من حوله، لذلك قرّر فريق العمل التحرر، في تلك اللحظات، من القواعد التقليدية للضوء والفيزياء. واستعان الفنانون بخامات مرسومة يدويًا وبألوان الباستيل، بعدما أمضوا ثلاثة أشهر في البحث عن لغة بصرية تعكس عالمًا يبدو فيه الضوء وكأنه ينبع من داخل الخيال الطفولي نفسه. ويشرح: "كان علينا أن نتخلى عن عاداتنا التقنية، وأن نسأل أنفسنا ببساطة: كيف يبدو الضوء عندما يأتي من الداخل؟".


تحوّل كبير

بالعودة إلى مسيرته داخل "Pixar"، يقول كلش إن صناعة أفلام التحريك شهدت تحوّلا كبيرًا من الإضاءة اليدوية إلى محاكاة الضوء وفق قوانين الفيزياء، وهو تطوُّر لم يقتصر على التقنية، بل جعل أفلام التحريك تتحدث باللغة العاطفية نفسها التي تتحدث بها السينما التقليدية.

وحين سألناه عن أكثر المحطات تأثيرًا في مسيرته، لا يتردد في اختيار فيلم "Up". فافتتاحيته الشهيرة، التي تكاد تخلو من الحوار، شكّلت بالنسبة إليه درسًا في قوة الصورة. ويشرح: "كان على الضوء والكاميرا أن يرويا حياة كاملة من دون كلمات. هناك أدركت، أكثر من أي وقت مضى، مدى قوة السرد البصري". لكن كلش لا يقلّل في الوقت نفسه من أهمية الأفلام القصيرة التي عمل عليها، معتبرًا أنها علّمته قيمة كل لقطة، لأن كل إطار فيها ينبغي أن يكون ضروريًا، مشيرًا أيضًا إلى أن فيلم "Elemental" كان من أصعب المشاريع، إذ لم يكن أمام فريق العمل أي مرجع واقعي لإضاءة شخصيات مصنوعة من النار والماء. ويعلّق: "كنا نعتمد على حدسنا أكثر من أي شيء آخر، وغالبًا ما تقودنا المجهولات إلى أكثر الحلول إبداعًا".

بالنسبة إلى وظيفة مدير التصوير في أفلام التحريك، يوضح كلش أنها تختلف عن السينما التقليدية، لأن كل عنصر بصري يُبنى رقميًا منذ البداية. ويختصر فلسفته المهنية بقوله: "لا تُضِئ المشهد ليبدو جميلا، بل ليشعر المشاهد بأنه حقيقي". فالصورة الناجحة، في رأيه، هي التي تخدم إحساس الشخصية وتقود المُشاهد إلى حالتها الشعورية من دون أن تستعرض نفسها. وينطبق الأمر ذاته على اختيار الألوان، إذ ينبغي أن يكون لكل لون دور درامي، لا مجرد قيمة جمالية. وبعد ما يقارب ثلاثين عامًا داخل "Pixar"، يؤكد كلش أن الفضول لا يزال المحرّك الأساسي لشغفه، لأن كل فيلم يطرح أسئلة جديدة ويفتح الباب أمام تجارب وتقنيات مختلفة، وهو ما يجعل العمل متجددًا باستمرار.


كل ما أنا عليه بدأ من لبنان

في حديثنا مع جان-كلود كلش، نسأله عن جذوره اللبنانية، فيجيب أن لبنان كان حاضرًا في كل مراحل مسيرته المهنية: "كل ما أنا عليه بدأ من لبنان". ويوضح أن ضوء البحر المتوسط وألوان الغروب شكّلا جزءًا من ذاكرته البصرية، بينما منحه النظام التعليمي اللبناني، القائم على تعدد اللغات، مرونة ذهنية ساعدته على التنقل بين التفكير التقني والإبداعي. كما أن ثقافة العمل الجاد والإصرار على تجاوز الصعوبات رافقته طوال رحلته المهنية، إلى جانب الدفء الإنساني الذي يميّز اللبنانيين، والذي انعكس على طريقة تعامله مع زملائه. ومن هنا، يوجّه رسالة مباشرة إلى الشباب اللبناني والعربي: "أريدهم أن يعرفوا أن هذا الطريق ممكن، وأن هويتهم ليست شيئًا عليهم تركه خلفهم، بل مصدر قوة يحملونه معهم".

أما نصيحته للراغبين في دخول عالم أفلام التحريك، فتنطلق من مراقبة الحياة قبل تعلّم التقنيات: "تعلّموا أن تشاهدوا قبل أن تتعلّموا كيف تصنعون. راقبوا كيف يتحرك الضوء، وكيف يتبدل اللون، وكيف يخبرك الظل بوقت النهار، وبعدها ابدأوا بالعمل قبل أن تشعروا بأنكم جاهزون، لأن هذا الشعور قد لا يأتي أبدًا". ويستشهد كلش بمسيرته الشخصية التي لم تكن مستقيمة، إذ انتقل من دراسة الهندسة المعمارية والرسوميات الرقمية إلى عالم التحريك، معتبرًا أن كل محطة منحته أدوات لم يكن ليتعلّمها في مكان آخر.

في ختام حديثنا، يؤكد جان-كلود كلش لـ "نداء الوطن" أن أكثر ما يفخر به ليس الأفلام التي شارك في صنعها فحسب، بل كونها أصبحت جزءًا من حياة الناس وذكرياتهم، إلى جانب الصداقات التي كوّنها خلال سنوات طويلة داخل الاستوديو. وأمنيته مع "Toy Story 5" أن يغادر الجمهور صالة السينما حاملا معه الرسالة التي حافظت عليها السلسلة منذ انطلاقتها: "أتمنى أن يبقى الفيلم في ذاكرة الناس، لأن قصص "Toy Story" كانت وستبقى تتحدث عن الحب والانتماء".