أرنو دو لا غرانج

فوج مغاوير البحرية الملكية البريطانية... مستقبل مجهول

24 كانون الثاني 2024

المصدر: Le Figaro

02 : 00

انخرط الجنود في هذه الوحدة العسكرية على مر أربعة عقود. من الواضح أن البحرية الملكية البريطانية لا تخشى الزمن ولا الأعداء. هي تَصِف نفسها أصلاً بواحدة من «القوات القتالية الأكثر رعباً في العالم». لكن تتخذ هذه الوحدة النخبوية اليوم موقفاً دفاعياً، فهي تواجه تهديداً أكثر إرباكاً من داخل البلد الذي تخدمه بكل وفاء، فقد يقرر المسؤولون التضحية بها بسبب الوقائع التي يفرضها تراجع الميزانية.


بداية النهاية


ترسخت هذه المخاوف المستجدة بسبب احتمال تعليق عمل سفينتَي إنزال تُعتبران أساسيتَين لتنفيذ العمليات البرمائية التي تقودها القوات البحرية. في إطار الخطط الحكومية للتعويض عن نقص حاد في عدد البحّارة، اقترح وزير الدفاع البريطاني غرانت شابس، وقف عمل سفينتَي «إتش أم أس ألبيون» و»إتش أم أس بولوورك». كانت هذه العملية لتسمح بتحرير حوالى 250 شخصاً وتكليفهم بتجهيز سفن جديدة، لا سيما أسطول الفرقاطات الجديد الذي يُفترض أن يصبح قيد التشغيل في العام 2028. أصبح هذا الملف على مكتب رئيس الوزراء البريطاني ريشي سوناك. يعتبر المدافعون عن البحرية الملكية البريطانية هذه الخطوة «بداية النهاية»، لأن تلك السفن الهجومية البرمائية كانت في صلب عقيدة عملهم التي تقضي بمهاجمة الشواطئ انطلاقاً من البحر.



ينجم هذا الوضع الشائك الذي تواجهه البحرية الملكية عن أزمة عميقة في تجنيد العناصر. من المنتظر أيضاً أن تُنزَع أسلحة فرقاطتَين قديمتَين أخريين من طراز 23 لإطلاق سراح بعض العناصر وإرسالهم إلى وحدات أخرى. تراجع عدد المجندين في البحرية الملكية البريطانية بنسبة 22.1 في المئة خلال السنة الماضية، وستصبح القوات البحرية التي تشمل 29 ألف عنصر، الجيش الأقل فعالية على مستوى التجنيد. يتعلق هذا النقص على وجه التحديد بالميكانيكيين وجيش الغواصات، حيث تتعدد المناصب الشاغرة. بلغ هذا النقص مستوى عالياً لدرجة أن يُنشَر إعلان على الشبكة المهنية «لينكد إن» في الفترة الأخيرة لتجنيد مدير جديد للغواصات. يشير هذا المنصب إلى نائب أميرال بالغ الأهمية، لكن لا يتهافت الكثيرون لاستلام هذه المهمّة أو يفتقرون إلى المؤهلات المطلوبة. لهذا السبب، تأمل القوات البحرية في إعادة ضباط قدامى إلى الخدمة.



لكن حتى لو حصلت القوات البحرية على معاملة أفضل من الجيش البرّي في «المراجعة الشاملة» للعام 2021، تماشياً مع مفهوم «بريطانيا العالمية» الطموح، يسهل أن نلاحظ تراجع قدراتها. كانت هذه القوات تشمل 51 فرقاطة ومدمّرة خلال حرب الخليج في العام 1991، ثم تراجع عدد سفنها إلى 31 في العام 2005، قبل أن يقتصر على 19 اليوم، أو حتى 16 قريباً. تعليقاً على الموضوع، يقول الرئيس السابق للجنة الدفاع في البرلمان والنائب المحافظ والعسكري القديم توبياس إيلوود، إن «هذه الصيغة لا تكفي لمواجهة التهديدات التي تزداد تعقيداً». قد يبدو تخفيض عناصر مشاة البحرية الملكية حلاً سهلاً، لكن تفضّل البحرية البريطانية بحد ذاتها التضحية بتلك السفن البرمائية وتخفيض أعداد المغاوير لإنقاذ قدرات أخرى. يعارض وزير الدفاع السابق بن والاس هذا النوع من الإجراءات.



كان الملك تشارلز الثاني قد أنشأ وحدة «دوق يورك وفوج ألباني البحري للمشاة» في العام 1664. في تلك الحقبة، أصبحت الحرب الإنكليزية الهولندية الثانية وشيكة، فشعر المسؤولون بضرورة أن يبحر الجنود على متن سفن القوات البحرية. كان الفرنسيون قد بدأوا منذ أربعة عقود تجميع أولى الوحدات التي ستتحول لاحقاً إلى مشاة البحرية، بعدما أنشأ رجل الدولة الفرنسي ريشيليو فروع القوات البحرية. تغيّر اسم الوحدة الإنكليزية الجديدة سريعاً إلى «فوج الأميرال». لم تكفّ هذه الوحدة عن التوسّع، فشملت عشرة أفواج يتراوح عدد عناصرها بين 750 و1000 شخص في العام 1740. خلال القرن الثامن عشر، كان توسّع الإمبراطورية البريطانية يلبّي حاجات تلك القوات العسكرية كي تتمكن من غزو القواعد الساحلية الخارجية أو الدفاع عنها. في العام 1755، نشأ رسمياً فوج من القوات البحرية الدائمة التي أصبحت تحت سيطرة الأميرال المسؤول.



لكن لم يتقبّل الجميع هذا التغيير حتى تلك الفترة. بقيت القوات البحرية أقل تميّزاً من أفواج الجيش البرّي أو البحرية التقليدية، إذ تُعتبر عملية التجنيد فيها أقل جودة، وهي تتكل أيضاً على مؤهلات مهنية أقل مستوى من المناصب الأخرى. في متحف البحرية الملكية البريطانية، عُلّقت مقولة غامضة لسياسي معروف في تلك الحقبة كُتِب فيها: «الجندي وعنصر القوات البحرية كائنان مختلفان جداً. هما مختلفان بقدر الثعلب والقندس». لكن يبقى عناصر القوات البحرية متعددي القدرات ويُعتبر دورهم قيّماً، فهم يستطيعون القتال على سطح القوارب، كما فعلوا خلال معركة «الطرف الأغر» في الماضي، وينشطون في المساحات البرية أيضاً من خلال مهاجمة الممتلكات الإمبريالية الخاصة بالفرنسيين والإسبان في أفريقيا، وكندا، وكوبا، والفيليبين. اعترف المعنيون بأهمية هذا الفرع في العام 1802، حين حصل الأميرال سانت فنسنت على لقب «ملكي» للفوج الجديد.



مُشاة البحرية الملكية إلى نورويتش | بريطانيا، آذار 2022



تــــعــــديــــلات ضــــروريــــة


في بداية القرن العشرين، كانت الوحدات التي تضع نفسها في خانة «البحرية الملكية البريطانية» تشمل حوالى 20 ألف عنصر. شهدت الحرب بين العامين 1914 و1918 توسّع قواتها، وانتشرت تلك القوات في مدينة «أوستند» البلجيكية، في أنتويرب، وشاركت في معركة «يوتلاند» أو «غاليبولي». ثم جعلتها الحرب العالمية الثانية تتأرجح وتزيد تركيزها على فوج المغاوير الذي لا يزال يُميّز البحرية حتى اليوم. تشكلت أولى وحدات المغاوير في العام 1942 وشاركت في عملية «دييب». لكنها أثبتت براعتها على نحو خاص خلال عملية «فرانكتون». كانت تلك المهمة تقضي بتدمير السفن الألمانية التي فرضت الحصار على المنطقة المستهدفة. تكللت العملية بالنجاح، لكن اقتصر عدد الناجين على مغوارَين فقط.



ثم حاربت البحرية الملكية البريطانية في صقلية وساليرنو وشاركت في مهام أخرى في البحر الأبيض المتوسط. انطلق حوالى 17 ألف عنصر منها إلى النورماندي في 6 حزيران، ثم قاتلوا في منطقة «والشيرين»، هولندا، في أيلول 1944، وفي ألمانيا، ثم في ساحات المحيط الهادئ وبورمانيا ضد اليابانيين في بداية العام 1945. كان يمكن إيجاد هذه القوات في جميع العمليات البريطانية الخارجية الكبرى بعد الحرب. وفي العام 1982، اضطلع فوج المغاوير بدور أساسي لإعادة جزر «فوكلاند» من الأرجنتينيين. ثم نشطت هذه الوحدة في ساحات متنوعة مثل يوغوسلافيا السابقة، وسيراليون، والعراق، وأفغانستان، وسواها.



اليوم، يُفترض أن يتراجع عدد العناصر في البحرية الملكية البريطانية إلى 6100 شخص. لكن نظراً إلى صعوبة تجنيد العناصر، يقتصر هذا العدد على 5500. يعترف معظم الخبراء بضرورة تطوير أساليب عملهم، وتشير تقديراتهم إلى أهمية إحداث تعديلات كبرى في طريقة تنفيذ العمليات للحفاظ على دور هذه الوحدة في العالم المعاصر. تحمل العمليات الهجومية البرمائية الضخمة على الشواطئ اليوم مجازفات هائلة، حتى أن تحقيق أهدافها يبدو مستحيلاً في ظل وجود خصوم يتمتعون بقدرات تضمن التصدي للاعتداءات ويملكون أسلحة طويلة المدى.



لكن رغم هذه «التعديلات» الضرورية، لا تشكّ البحرية الملكية البريطانية في أي لحظة بقوتها أو تميّزها. هي تكتب العبارة التالية بأحرف كبيرة على موقعها الإلكتروني: «هم يذهبون حيث لا يجرؤ الآخرون، ويفعلون ما يعجز عنه الآخرون».