لا ينفصل تاريخ الإنسان وصراعه مع نفسه ومع الطبيعة عن الأكل الذي يمثّل أحد شروط البقاء الأساسيّة. وكم من الثورات في العالم حرّكها الجوع، وبرهنت أنّ الفقر ليس قَدراً، بل هو نتيجة سياسات اقتصاديّة جائرة لا يعنيها البشر بقدر ما يعنيها الاستغلال والربح.
"أنا آكل إذاً أنا موجود" عنوان المعرض الذي أعاد فتح أبوابه أخيراً في "متحف الإنسان" في باريس ويتناول، بصورة علميّة، تاريخ الأغذية والتحوّلات التي طرأت على جسم الإنسان بين الماضي والحاضر، منذ أقدم العصور حتّى أيامنا هذه. كما يتناول علاقة البشر بالأطعمة في مختلف الحضارات والثقافات، لا سيّما اللحوم التي لا غنى عنها في النظام الغذائي لبعض المجتمعات، بينما تكاد تكون غير موجودة في مجتمعات أخرى. إنّها الطعام الإشكالي بامتياز واستهلاكه اليوم يطرح تساؤلات كثيرة على المستويات الأخلاقيّة والبيئيّة والصحّيّة.
لا يقتصر أكل الحوم على الجانب المادّي والجسدي فقط، بل يذهب أبعد من ذلك ليطول المخيّلة الجماعيّة عند هذا الشعب أو ذاك، منذ مراحل الصيد الأولى والطقوس التي كانت ترافق قتل الحيوان استعداداً لأكله. من هذه الطقوس أيضاً أنّ أفراد بعض القبائل الأفريقيّة إذا ما فقدوا أحداً منهم أثناء رحلة طويلة، ينثرون رماده فوق حساء ويشربونه، ثمّ يتابعون المسير وهم يشعرون بأنه يرافقهم بعد أن أصبح داخل كلّ منهم.
إذا كان المعرض يعود إلى العصر الحجري القديم، ويحتوي على قطع أصليّة وُجدت عليها آثار أطعمة متحجّرة ترقى إلى عصور ما قبل التاريخ، إضافة إلى أدوات صيد وزخارف صَدَفيّة، فذلك لفهم تأثير الغذاء على تكوين الجسم والتراث الجيني والعادات الاجتماعيّة، وكيف تطوّرت هذه العناصر كلّها على مرّ الزمن. من جانب آخر، رصد المعرض عدم المساواة، في الأكل أيضاً، بين الرجال والنساء في الكثير من المجتمعات والمراحل التاريخيّة، وما ولّده ذلك، في أحيان كثيرة، من معاناة وانعكاسات صحّيّة على المرأة وعلى أبنائها.
بالإضافة إلى معروضات القِطَع الأثريّة والأعمال الفنّية والصور الفوتوغرافيّة، هناك أفلام وثائقيّة بيّنت خصوصيّة المجتمعات في اهتمامها بالأغذية وعادات المائدة والفروق التي تشكّل سمات هويّة تُميّز بين مطبخ فرنسي وآخر إيطالي أو لبناني مثلاً. وهذا ما يفسّر كيف أنّ فنّ الطبخ أصبح فنّاً قائماً بذاته، وجزءاً من الفنون الجميلة ومن تاريخ الفنّ، وكيف أنّ بعض المطابخ العالميّة أصبحت مسجّلة، منذ العام 2010، في قائمة اليونسكو للتراث الثقافي غير المادّي، ومنها، على سبيل المثال، المطبخ الياباني الذي يقوم على احترام الطبيعة وتنوّع المكوّنات ونضارتها، ممّا يجعله مرادفاً للغذاء المتوازن والصحّي وللجمال وتنوُّع الفصول.
شهد القرن العشرين بزوغ عصر جديد للغذاء واكب التحوّلات التي شهدها العالم، فتغيّرت طبيعة الأكل ومكوّناته وعاداته، وتزايد الحديث عن المخاطر التي تهدّد صحّة الإنسان من خلال كيفيّة تصنيعه، بالإضافة إلى التلوّث الجوّي والتغيُّر المناخي، فضلاً عن اجتثاث الغابات وتلاشي الحدود الفاصلة بين البشر وبعض أنواع الحيوانات، والاعتماد على أنظمة غذائيّة تسهّل انتقال الأوبئة، كما حدث مع وباء كورونا الذي نشأ في الصين حيث يشيع استهلاك الوطاويط المقليّة بالزيوت وحيوان البنغولين ذي الحراشف الحادّة المُحمَّص بالتوابل. في موازاة ذلك، يُطرح موضوع الإنتاج الغذائي والاستهلاك المفرط للحيوانات والتعاطي مع البيئة والموارد الطبيعيّة وتأمين الغذاء، على المدَيين القريب والبعيد، لما يزيد عن السبعة مليارات شخص. في هذا المجال، تطالعنا محاولات التوصّل إلى مصادر أغذية جديدة إمّا عبر الكائنات المعدّلة وراثياً أو اللحوم المنتجة في المختبرات، أو الاستعانة بالحشرات الغنيّة بـ "البروتيين" والتي يمكن أن تكون مورد طعام في المستقبل. غير أنّ المجاعة في العالم لا تزال قائمة في غياب سياسة فعليّة للقضاء عليها، وعلى الرغم من الإمكانات التقنية والتكنولوجية الهائلة. إنّها صورة لسياسات اقتصادية قوامها التهميش والإقصاء بعيداً عن أيّ هاجس إنساني.
الحديث عن الأكل يعني الحديث عن الشبع، ويعني كذلك الجوع. عدد الجائعين في العالم تجاوز العام الماضي، بحسب إحصاءات الأمم المتّحدة، الثمانمئة مليون شخص، أي ما يناهز 11 بالمئة من سكّان العالم. لبنان هو أيضاً مهدّد بالمجاعة، ويعيش الآن، بسبب محتلّيه من اللصوص المُتخَمين، أكثر اللحظات سواداً في تاريخه الحديث.