لم يظهر "حزب الله" من العدم، بل نشأ في أوائل الثمانينات، كامتداد مباشر للثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979. جاء ظهوره في بيئة شيعية عانت طويلًا من التهميش والفقر، خصوصا في جنوب لبنان، حيث تدخّلت إيران بالمال والسلاح والأيديولوجيا، فحوّلت مجتمعًا مهمّشًا إلى قوة منظمة مرتبطة بمشروع إقليمي أوسع.
بالنسبة إلى كثيرين، لم يكن الانضمام إلى "حزب الله" مجرد خيار عقائدي، بل فرصة للخروج من التهميش واكتساب نفوذ وحماية. لكن هذا التمكين حمل معه تبعية سياسية وعسكرية لطهران.
عام 1990، فُرض حلّ جميع الميليشيات بموجب اتفاق الطائف، باستثناء "حزب الله" الذي احتفظ بسلاحه تحت شعار مقاومة الإحتلال الإسرائيلي لجنوب لبنان. وفي ذلك الوقت، بدا هذا التبرير منطقيًا بالنسبة لعدد كبير من اللبنانيين.
لكن في عام 2000، انسحبت إسرائيل من الجنوب، وانتهى الإحتلال رسميًا. ومع ذلك، بقي "حزب الله" مسلحًا. هنا بدأ السؤال الجوهري: إذا انتهى الإحتلال، فما الذي يبرر استمرار وجود قوة عسكرية مستقلة خارج إطار الدولة؟
الجواب يكمن في طبيعة هوية "حزب الله" نفسه. فشرعيته السياسية والعسكرية ترتكز على مفهوم "المقاومة". ومن دون تهديد دائم، تبدأ هذه الشرعية بالتآكل. لذلك، يصبح استمرار الصراع ضرورة للحفاظ على دوره ونفوذه.
ضمن هذا المنطق، تبدو حرب تموز 2006 أكثر وضوحًا. ففي وقت كان لبنان يستعد لموسم سياحي واعد، أدت عملية أسر جنديين إسرائيليين إلى حرب مدمّرة استمرت 33 يومًا، خلّفت دمارًا واسعًا ومئات الضحايا. بالنسبة الى كثيرين، لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل وسيلة لإعادة ترسيخ صورة إسرائيل كخطر دائم، وبالتالي إعادة تثبيت دور "حزب الله" كقوة حماية.
لكن المفارقة تكمن هنا: كيف يمكن لقوة تدّعي حماية لبنان أن تكون أيضًا سببًا في الحروب التي تدمره؟
ازدادت هذه المفارقة وضوحًا في حوادث 7 أيار 2008، عندما استُخدم سلاح "حزب الله" في الداخل اللبناني بدلًا من توجيهه نحو إسرائيل. يومها، تحولت بيروت ساحة اشتباكات داخلية، ما هزّ صورة "المقاومة" وأظهر "الحزب" قوة تفرض توازناتها بالقوة المسلحة.
في الأعوام الأخيرة، خصوصا عد حوادث 7 أكتوبر، قدّم "حزب الله" انخراطه العسكري على أنه تضامن مع غزة. لكن في قراءة موضوعية، بقي الهدف الأعمق نفسه: الحفاظ على منطق المواجهة المستمرة، ومنع أي تراجع في دوره الإقليمي والداخلي، فـ"حزب الله" يستمد من جمهوره شرعية سلاحه، خوفًا من عدو مطلق، وإن كان عدوًا مصطنعًا.
في المقابل، يدفع لبنان الثمن. أزمات اقتصادية متفاقمة، دمار متكرر، استنزاف دائم لدولة تعاني أصلًا من الانهيار. كما يتزايد داخليًا شعور بالتعب والتساؤل، حتى داخل البيئة التي دعمت "الحزب" تاريخيًا.
ومع تصاعد الحديث عن الاستحقاقات السياسية والانتخابات، يبرز سؤال حساس: هل يصبح التصعيد أحيانًا وسيلة لإعادة تعبئة الأنصار والحفاظ على النفوذ؟
اليوم، لم يعد النقاش يقتصر على إسرائيل أو "المقاومة"، بل بات يتعلق بمفهوم الدولة نفسها: هل يمكن لدولة أن تستمر إذا بقي قرار الحرب والسلم خارج مؤسساتها الرسمية؟ وهل يمكن للدولة أن تتفاوض، وهي غير قادرة على لجم وردع الاعتداءات التي تنطلق من أرضها؟
بعد عقود من الصراع، يبقى الثابت الوحيد أن الشعب اللبناني، إذا صح توصيفه بأنه شعب واحد، هو من يدفع الثمن الأكبر، بين حرب تتكرر، ودولة عاجزة شكلًا ومضمونًا، ومستقبل لا يزال معلّقًا بين الخوف والانقسام.