مصطفى علوش

الصهيونية والصهيونية المسيحية ومعاداة السامية

29 كانون الثاني 2024

02 : 00

توزيع المساعدات (أ ف ب)

في حين أنّ الصهيونية مصطلح يشير إلى حركة سياسية علمانية تهدف إلى إعادة توطين اليهود في فلسطين، يستخدم تعبير «الصهيونية المسيحية» للإشارة إلى مجموعة من الإنجيليين الذين يدعمون بشدة عودة اليهود والاستيطان في فلسطين. على الرغم من الاختلاف بين أعضائها في ما يتعلق بأسباب دعمها للصهيونية، إلا أنّ الصهيونية المسيحية، في جوهرها اللاهوتي، تحمل أيديولوجية معادية للسامية، تهدف، على الأقل، إلى تنصير اليهود، وفي شكلها المتطرف، لاستخدام هذه العودة كمقدمة للمجيء الثاني للمسيح ونهاية الأزمنة، عندما يفنى معظم اليهود، وتبقى أقلية منهم بعد تحولها إلى المسيحية. هناك مجموعة ثالثة أسميها «الصهيونية غير اليهودية»، والتي تشمل توجهاً سياسياً علمانياً واستعمارياً متجدداً يضم المؤيدين للصهيونية، معتبرين إسرائيل موقعاً عسكرياً متقدماً على خط المواجهة، يدافع عن المصالح الأميركية و»القيم» الغربية.



بين اليهودية والصهيونية

من المهم أن نذكر بإيجاز الفرق بين اليهودية والصهيونية في سبيل تجنب الالتباس السائد في ما يتعلق بالمصطلحين. هما مفهومان مختلفان، على الرغم من أنهما غالباً ما يكونان مترابطين في المناقشات حول دولة إسرائيل. فاليهودية ديانة توحيدية. تشمل مجموعة من المعتقدات والممارسات والتقاليد الدينية التي تتمحور حول التوراة والكتب المقدسة اليهودية الأخرى. وعلى الرغم من أنّ اليهود هم مجموعة متنوعة من الناس تجمعهم هوية دينية مشتركة. لكنهم منتشرون في جميع أنحاء العالم، يستند ارتباطها إلى المعتقدات الدينية ووجهات نظر مشتركة معينة حول تاريخهم.

أمّا الصهيونية اليهودية، فهي حركة سياسية وقومية ظهرت في أواخر القرن 19، كان هدفها الأساسي هو إقامة وطن لليهود في فلسطين. يشير مصطلح «صهيون» عندهم إلى تلة في القدس، وتدعو الصهيونية إلى إقامة دولة يهودية في أرض إسرائيل التاريخية المفترضة. اكتسبت الحركة زخماً، لا سيما رداً على ممارسات معاداة السامية كما الرغبة في إيجاد ملاذ آمن لليهود. من المهم الملاحظة أنّه ليس كل اليهود ينتسبون إلى الحركة الصهيونية ولا حتى يدعمونها. هناك يهود يتبعون الجوانب الدينية لليهودية ولكنهم ليسوا بالضرورة صهاينة، والعكس صحيح، فأكثرية الصهاينة هم من غير الملتزمين دينياً.



مأساة المنصور

من بين آلاف الكتب التي أحرقت في «أوبرنبلاتز» في برلين في عام 1933، في أعقاب الغزوة النازية على «معهد الجنس»، كانت أعمال هاينريش هاينه. ولإحياء الذاكرة الألمانية لهذا الحدث المقيت، نقش على الأرض في الموقع أحد أشهر أبيات مسرحية هاينه «مأساة المنصور»، على لسان «حسن» المسلم عند سماعه أن الغزاة المسيحيين للأندلس أحرقوا القرآن في سوق غرناطة، «لم يكن ذلك سوى تمهيد. عندما يحرقون الكتب، سيحرقون الناس في نهاية المطاف أيضاً». في العام 1835، قبل 98 عاماً من استيلاء أدولف هتلر والحزب النازي على السلطة في ألمانيا، كتب هاين في مقالته «تاريخ الدين والفلسفة في ألمانيا»، المسيحية، وهذه هي أعظم مزاياها، ربما خففت إلى حد ما من الشغف الجرماني الوحشي للحرب، لكنها لم تستطع تدميرها بالكامل. فإذا تحطمت هذا التعويذة المقهورة، أي الصليب، فإنّ الجنون المسعور تجاه المحاربين القدامى، ذلك الغضب الهائج المجنون الذي تحدث عنه شعراء الشمال وتغنوا به كثيراً، سوف يشتعل مرة أخرى. هذه التعويذة هشة في طبعها، وسيأتي اليوم الذي ستنهار فيه بشكل بائس. ثم سترتفع الآلهة الحجرية القديمة من الحطام المنسي وتنفخ غبار ألف عام من أمام أعينهم، وأخيراً، سيحضر «ثور» بمطرقته العملاقة ويحطم الكاتدرائيات القوطية... لا تبتسموا سخرية لنصيحتي، نصيحة ذاك الحالم الذي يحذركم من وهن دعوة الكانطيين والفيختيين وفلاسفة الطبيعة. لا تسخروا من صاحب الرؤية الذي يتوقع الثورة ذاتها في عالم المنظور كما حدث في الروحانيات. الفكر يسبق العمل كما يسبق الرعد الرعد. الرعد الألماني ذو طابع جرماني حقيقي. قد يكون رعداً غير ذكي، ولكنه موجود كقرقرة عميقة في الوجدان. ومع ذلك، سيأتي زمنه عندما تسمعون جلبة حطام لم يسمعها أحد من قبل في تاريخ العالم، فتعلمون أن الصاعقة الألمانية قد ضربت أخيراً. في خضم ذاك الضجيج، ستسقط نسور من الفضاء ميتة، وستختبئ الأسود في أبعد صحارى أفريقيا في عرائنها الملكية. وسيتم عرض صاخب في ألمانيا سيجعل الثورة الفرنسية بعنفها تبدو وكأنها مجرد لفحة شاعرية بريئة».

عندما قرأت عنوان ملحمة هاينه «المنصور» أخذت بعنوانها باسم عربي، في حين أنّ المؤلف شاعر ألماني مشهور. ثم، عندما قرأت الملحمة بأكملها، أدركت مدى ازدراء هذا الرجل اليهودي بالولادة، بالعنصرية المستوطنة في المجتمع المسيحي الأوروبي، ليس فقط في أوروبا الشرقية، حيث ارتكبت مذابح متكررة ضد اليهود، ولكن في أوروبا الغربية، حتى بعد عصر التنوير والثورة الفرنسية. ثار هاينه ضد ما أسماه «وباء المعمودية»، عندما تمت «دعوة» يهود أوروبا الغربية ليتنصروا طقوسياً من أجل السماح لهم بالوصول إلى المناصب الأكاديمية أو الحكومية الرسمية. في «المنصور»، عبّر هاينه عن حنين عميق إلى الشرق الإسلامي وتقاليده.

الصهيونية اليهودية

«في فلسطين لا نقترح حتى الذهاب إلى شكل من أشكال التشاور مع رغبات سكان البلاد الحاليين. القوى العظمى الأربع ملتزمة بالصهيونية. والصهيونية، سواء كانت صحيحة أو خاطئة، جيدة أو سيئة، فهي متجذرة في تقاليد قديمة، في الاحتياجات الحالية، وفي الآمال المستقبلية. فهي ذات أهمية أعمق بكثير من رغبات 700000 عربي يسكنون الآن تلك الأرض العريقة». رسالة أرسلها بلفور إلى مسؤول بريطاني في فلسطين عام 1922.

كان قلق هاينه المنغص بين يهود النخبة في أوروبا الغربية، بالإضافة إلى تعاطفهم مع الجاليات اليهودية الروسية بسبب الفظائع المتكررة التي ارتكبت ضدهم من قبل المسيحيين المتحمسين غير المتسامحين، هو الذي دفع وأدى إلى مؤتمر «بازل الصهيوني الأول» عام 1897، الذي دعا إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين.

من المعروف أنّ العديد من مدعي كونهم المسيح المنتظر قد ظهروا في القرنين السادس عشر والسابع عشر في أوروبا الشرقية، داعين اليهود إلى ترك ممتلكاتهم للهجرة إلى أرض الميعاد، ولكن من دون نجاح يذكر. كان بعض الشغوفين بالثيولوجيا المسيحية هم الذين روجوا لعودة الشعب اليهودي إلى جبل صهيون في النصف الأول من القرن التاسع عشر، بهدف تسريع العودة الثانية للمسيح، ثم تحويل جزء من اليهود إلى المسيحية. هذا فقط للقول إنه على الرغم من الأسباب المختلفة التي طرحها المسيحيون الغربيون لتشجيع، أو إجبار الشعب اليهودي، على هجرة أوروبا، أو الذهاب إلى الأرض المقدسة، فإن فكرة نوع من «الحل النهائي» كانت دائماً في خلفية تلك الدعوة.

من المفارقات، أن العديد من النخب العرب المسلمين كانوا متعاطفين مع الفكرة الأساسية وراء الصهيونية. يوسف الخالدي، عمدة القدس العثماني الفلسطيني في عام 1898، اعتبر الصهيونية، كما نوقش في مؤتمر بازل اليهودي قبل عام، فكرة منطقية ومرحباً بها، بالنسبة لما حدث لليهود في أوروبا على مر القرون. ومع ذلك، فقد حذر من أنّ فلسطين لا ينبغي أن تكون مكاناً لدولة يهودية، لأنّ ذلك يعني معاناة كبيرة للذين يعيشون هناك. «آحاد هعام»، الصحافي اليهودي الذي زار فلسطين في أوائل القرن العشرين، أكد أنّ احتلال فلسطين سيكون له تكلفة إنسانية باهظة لأن الأرض لها سكانها بالفعل. ثم دعا إلى عودة ثقافية إلى صهيون، بدلاً من الاستيطان الفعلي.

الحل النهائي

يتفق معظم علماء التاريخ على أنّ «الحل النهائي» لم يتم تفصيله صراحة في «كفاحي»، الكتاب الذي كتبه «أدولف هتلر» في أوائل عشرينات القرن الماضي، والذي شرح فيه أيديولوجيته السياسية وآراءه حول ألمانيا وأوروبا. ما يمكن استنتاجه من أفكاره هو أنه يجب نقل اليهود بعيداً عن ألمانيا بشكل خاص، وأوروبا بشكل عام. ومع ذلك، أصبح مصطلح «الحل النهائي» مرتبطاً بالهولوكوست الذي حدث خلال الحرب العالمية الثانية، حيث نفذ النظام النازي خطة منهجية لإبادة ملايين اليهود والأقليات الأخرى.

سأحاول في ما يلي إلقاء الضوء على الأساس الحقيقي للصهيونية المسيحية وكونها، في جوهرها، شكلاً من أشكال معاداة السامية تبحث عن «حل نهائي» من نوع آخر.

(*) نائب سابق في البرلمان اللبناني