أناستاسيا إيديل

الرهان على نساء روسيا خاسر

1 شباط 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

امرأة بالزيّ العسكري السوفياتي توجّه المشاة خلال معرض للدبابات والمركبات العسكرية السوفياتية في الساحة الحمراء - موسكو، 6 تشرين الثاني 2023

كان صادماً أن تؤيد النساء الروسيات حرب الكرملين ضد أوكرانيا رغم انعكاساتها السيئة على رجال عائلاتهنّ.

لا تكشف روسيا حصيلة القتلى في صفوفها، لكن من المعروف أن أعدادهم في تصاعد مستمر. تشيد الدولة بهؤلاء الرجال عند موتهم، لكنها تعتبر كل واحد منهم قابلاً للاستبدال. أوضح المسؤولون الروس هذا الموقف صراحةً لدرجة أن يقول أحدهم: «ستنجب النساء عدداً إضافيّاً من الرجال».

كانت المرأة الروسية تُعتبر دوماً رمزاً للقوة، والصبر، والتضحية، لكن تحوّل دورها اليوم إلى غطاء لجرائم رجال روسيا.

يتضح دعم النساء للحرب بطرق متنوعة. يخيط بعضهنَّ في القرى شبكات تمويه للجنود الروس ويُعلّمنَ أولادهنَ صناعة شموع الخنادق استعداداً لإرسالهم إلى ساحات المعارك. كذلك، تتولّى المعلّمات في المدارس راهناً تربية الأولاد بطريقة وطنية. في حصة أسبوعية فرضتها الدولة بعنوان «نقاشات حول أهمّ المسائل»، تنشر المعلّمات أفكاراً يدعمها الكرملين ويدعمنَ الحرب أمام الأولاد منذ مرحلة الحضانة. في المقابل، تتعرّض المعلّمات اللواتي يعارضنَ الحرب أو يحاولنَ التنصّل من هذا الواجب للطرد أو يُجبَرْنَ على الاستقالة من تلقاء أنفسهنَّ.

أصبحت المرأة الروسية اليوم أكثر ميلاً إلى بذل الجهود لشراء شهادات طب مزورة لإعفاء أبنائها وزوجها من المشاركة في الحرب بدل ممارسة أي شكل من المقاومة. كل امرأة تعارض الحرب ضمناً (لا يمكن تحديد أعدادهنَّ) تحتفظ برأيها لنفسها. لكن لم يكن هذا التردد الشخصي كافياً لفرض أي نوع من التحديات السياسية وثني بوتين عن شن الحرب.

حين بدأ بوتين يحوّل البلد إلى نظام مستبد، نجح بذلك في تبديد الخوف الدائم من الحرب في بلدٍ شهد على مقتل ملايين الرجال، فأصبحت الحرب جزءاً حتميّاً ومشرّفاً من حياة الناس.

لا تبدو نهاية هذه الانتكاسة قريبة. أدت الحرب في أوكرانيا إلى ترسيخ نظام البيريسترويكا («إعادة الهيكلة»)، ما يعني تضييق الخيارات المتاحة أمام النساء الروسيات، فباتت أهمية المرأة محصورة مجدداً بمستوى التزامها بجهود الحرب.

اليوم، حتى الأمهات والزوجات اللواتي يطالبنَ بعودة أبنائهنَّ المشاركين في المعركة ضد أوكرانيا يُعبّرنَ عن دعمهنَّ لحرب بوتين قبل التطرّق إلى أي نقطة أخرى. يُصِرّ البعض بكل بساطة على استبدال الرجال الذين كانوا يعيلون العائلات بآخرين. في غضون ذلك، بدأ الوعد بتحوّل المرأة إلى شريكة مساوية للرجل يتلاشى: في زمن الحرب، لم يعد إبداء المسيرة المهنية خياراً عمليّاً بالنسبة إلى معظم النساء. كلما طالت مدة الحرب، تتراجع الأموال المتاحة لتكاليف الرعاية الصحية والتعلّم، وهي قطاعات توظّف النساء تقليديّاً، إذ يُعاد توجيه الأموال في هذه الظروف إلى مجالات تدعم حملة الحرب مباشرةً. من المتوقع أن يتلاشى تحسّن الناتج المحلّي الإجمالي الذي ينجم عن زيادة الإنفاق العسكري بسبب العقوبات الاقتصادية الغربية، لذا قد تضطر المرأة التي تخطط لتطوير مهنتها لإعادة النظر بخططها.

وفي ظل تكثيف ضوابط الإجهاض، ظهرت اليوم قيود قانونية جديدة في عالم الأمومة، ما يعني أن تضطر المرأة التي تحمل طموحات مهنية لتربية جنود المستقبل وتعليمهم. هي تتشجع على أداء هذه المهمّة بعد فترة قصيرة على إنهاء تعليمها الثانوي.

على صعيد آخر، أقدمت الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، حليفة بوتين الأساسية في تحويل روسيا إلى معقل للمحافظين، على زيادة مبادراتها تجاه الأمهات لمساعدة النساء على التعامل مع هذا الواقع المستجد. فُرِضت طقوس وأعياد جديدة للاحتفال بـ»العائلة التقليدية» و»القيم التقليدية»: إنها كلمات رمزية للدلالة على رفض المثليين والتشديد على دور المرأة كـ»حارسة البيت». في مختلف ساحات البلدات الروسية، بدأت تماثيل فلاديمير لينين تتقاسم المساحات العامة مع تماثيل قديسين كانوا مجهولين سابقاً لكنهم يُعتبرون اليوم من عرّابي العائلة والزواج.

أصبحت شخصيات «الأم البطلة»، و»الأم المحاربة»، و»رفاق السلاح»، حيّة وراسخة في روسيا خلال عهد بوتين. لكن تنضم شخصية زوجة الجندي التي تنتظر ما سيحصل إلى هذه اللائحة من النماذج السوفياتية التي استمر تأثيرها في البلد على نحو مفاجئ. تدعم هذه الزوجة الحرب من وراء الكواليس، وتربّي أولادها على مشاعر الفخر، ولا تطرح الأسئلة عن مصير زوجها المقتول أو المفقود. يعكس هذا الامتناع عن طرح الأسئلة على ما يبدو التعريف الحقيقي للمرأة الروسية المقبولة اليوم.

لكن ما هي المكافأة التي تتلقاها المرأة الروسية مقابل امتثالها؟ هي لا تحصد منافع كثيرة على أرض الواقع. يتألف الأوليغارشيون الروس (الأداة التي يستعملها البلد لتقوية الاقتصاد) من الرجال بشكلٍ شبه حصري. تشكّل النساء أيضاً حوالى 18.3 في المئة من البرلمان الروسي. على مستوى المساواة في الأجور، تكسب المرأة 70 في المئة مما يكسبه الرجال في المهنة نفسها. ومن الناحية الثقافية، تتابع مظاهر كراهية النساء والتمييز الجنسي توسّعها. غالباً ما تُصوّر البرامج الكوميدية الروسية المرأة ككائن أغبى من أن يُميّز بين مقود السيارة وأداة تبديل السرعة.

تتعلق مشكلة أكثر خطورة بالعنف المنزلي، وتُعتبر هذه الظاهرة من رواسب الحقبة السوفياتية والمراحل التي سبقتها. تتعرّض خِمْس النساء الروسيات للعنف الجسدي على يد شركائهنَّ، وتُقتَل حوالى 14 ألف امرأة سنوياً لهذا السبب، أي ما يساوي تسعة أضعاف الأرقام المسجلة في الولايات المتحدة التي تشمل أكثر من ضعف عدد السكان. قد يكون الرقم الحقيقي أعلى بكثير، لأن شريحة واسعة من النساء تخشى الإبلاغ عن حوادث العنف المرتكبة بحقها. في العام 2017، قرّر مجلس الدوما الروسي، بدعمٍ من الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، إلغاء تجريم العنف المنزلي الذي لا يجعل الضحية تدخل إلى المستشفى. يوحي الوضع بأنّ الدولة بحدّ ذاتها تؤيّد المقولة الروسية البالية: «إذا كان يضربكِ، يعني ذلك أنه يحبكِ». ونظراً إلى قسوة هذا الحب، قد تعتبر المرأة أحياناً ذهاب مُعنّفها إلى الحرب سبيلاً للتحرّر.

في مطلق الأحوال، يسمح هذا الوضع بتحسين الظروف الاقتصادية حتماً. يبقى الحد الأدنى للراتب الشهري الذي يحصل عليه المشاركون في حرب أوكرانيا (2535$) أعلى من متوسط الراتب في المناطق الروسية المتعثرة اقتصاديّاً كتلك التي تُقدّم عدداً كبيراً ومتفاوتاً من المجنّدين. لا مشكلة في موت هؤلاء خلال القتال. من الأفضل أن يموت الرجل كبطل، كما قال أحد الكهنة الروس. كذلك، تتلقى عائلات الجنود المقتولين مبالغ وافرة مقابل الوضع السيّئ الذي تمرّ به، ما يعني أن هذه الظروف تُشكّل فرصة اقتصادية واعدة ونادرة للروس المنتمين إلى الطبقة العاملة والدنيا. في تموز 2022، بثّت «القناة الروسية الأولى» تقريراً يُعدّد منافع المشاركة في القتال: راحت عائلة أحد الجنود المقتولين تروي بحزن أنها اشترت سيارة «لادا» التي كانت أعلى كلفة من إمكانياتها سابقاً بفضل المبلغ الذي تلقّته مقابل موت ابنها الذي كان يحلم باقتناء سيارة بيضاء من هذا النوع. يستعملها أفراد العائلة اليوم للذهاب إلى قبره.

في بعض الحالات، قد يكون ثمن المقاومة أعلى مما تستطيع المرأة تحمّله. لكن إذا أصرّت تلك المرأة على موقفها رغم كلّ شيء، ستتابع ما تفعله في ظروف بالغة الخطورة. قد يتفاقم العنف المنزلي المستفحل أصلاً في ظلّ استمرار الحرب وعودة الرجال المدنيين بعد تشويههم، فيتحوّلون عند عودتهم إلى محاربين مصابين بالصدمات أو مُدانين استفادوا من العفو عنهم. خلال السنة الماضية، أقدم «الأبطال» العائدون على اغتصاب فتيات مراهقات وأحرقوا شقيقاتهم وهنَّ على قيد الحياة. حتى أن رجلاً مُداناً تحوّل لاحقاً إلى عنصر في مجموعة «فاغنر» طعن امرأة عمرها 85 عاماً حتى الموت، بعد ترهيب أخريات بفأس ومذراة بطريقة تشبه قصص الرعب.

لكن تَقِلّ العقوبات بحق من يرتكب جرائم ضدّ النساء طالما يرتكبها رجال مستعدّون للتضحية من أجل الكرملين. اعتُقِل ملازم من منطقة «كوزباس» بسبب قتله لفتاة في الثامنة عشرة من عمرها بعد شهرين على اعتباره «بطل روسيا» على لسان بوتين. بعد تلك الاضطرابات، دافع عنه رؤساؤه لأنه «منح الوطن الأم منافع هائلة في خضم معركتهم ضد الأوكرانيين النازيين». كذلك، صدر قرار عفو بحق رجل آخر حُكِم عليه بالسجن لمدّة 11 سنة بتهمة قتل حبيبته ووضع جثتها في مفرمة لحم بعد مشاركته في حرب أوكرانيا.

يُمكن تقييم أي بلد بحسب طريقة تعامله مع النساء والفتيات، كما قال الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يوماً. يتّضح سوء تعامل روسيا مع النساء عبر خطابات البلد عن الحقوق المتساوية والأفكار التقليدية في مختلف مراحل تاريخه، ويشدّد هذا الوضع على وحشية الحرب الروسية في أوكرانيا. إذا كان الرجال يستطيعون نهب بلدهم وتخريبه، لن يمنعهم شيء من ممارسة ذلك الحق في أرض أجنبية عبر استعمال قوة السلاح والتلويح بميدالية الأبطال. بعد تجريد المرأة الروسية من مسؤوليّتها الجماعية بمحاسبة الرجال، ها هي تجد نفسها اليوم في مجتمعٍ يزداد تجرّداً من القيم الإنسانية، حيث يقع الناس ضحية الحرب أحياناً رغم دعمهم لها.