مصطفى علوش

في نظام ديموقراطي كيف يصبح الإعلام شمولياً؟

6 شباط 2024

02 : 00

«إن أدنى مراتب الجحيم مرصودة لمن يتخذون موقف الحياد في القضايا ذات الطابع الأخلاقي» (دانتي).

إنّ كون أي نظام سياسي يستند إلى حرية الرأي لا يعني أنّ هذا الرأي لا يمكن أن يسقط في فخ الشمولية. يقول الصحافي الكبير في صحيفة هآرتس الإسرائيلية جدعون ليفي، وهو اليهودي المرتد عن الصهيونية، بأنّ حرية الإعلام في إسرائيل مضمونة بالنسبة لليهود. ما يعنيه هو أنّه لا أحد يفرض رقابة مسبقة ولا محاسبة ملحقة على حرية الإعلام مهما بلغت معاداته لسياسات الدولة العبرية، أكان في السلم أم في الحرب. كل وسائل الإعلام تقريباً مستقلة وتبغي الربح، ولكن لكونها تبغي الربح فهي تسعى إلى إرضاء الرأي العام اليهودي، وهو بأكثريته الساحقة أعمى، أي يرى بعين واحدة ويفهم فقط بمنطق واحد ويطرب فقط للغة واحدة.

من هنا، فبالرغم من أنّ الإعلام العالمي ينقل بشكل واسع وقائع ما يحدث في غزة، إلا أنّ معظم وسائل الإعلام الإسرائيلية لجأت إلى سياسة إرضاء المشاهدين والقراء بعدم عرض أي شيء يتعلق بما يحدث في غزة، وتجنب عرض معظم ما يعرضه الإعلام العالمي، ويركز على الترويج لفكرة الدفاع عن إسرائيل ومستقبلها في تجنب هولوكوست جديد، ويعرض مشاهد للجنود في أرض المعركة في المواجهات من دون أن يعرض الدمار والخسائر البشرية والمأساة من ناحية غزة. حتى بالنسبة لأهالي المحتجزين عند «حماس»، فإنّ التركيز هو على تضحيات الجيش الإسرائيلي في مسعاه لتحريرهم.

بالنسبة لليفي، فإنّ الإعلام الإسرائيلي، رغم حريته النظرية، خائن لمبدأ الصحافة الحرّة لكونه يعرض البروبغندا التي تطرب الرأي العام الإسرائيلي، ويتحاشى واجباته بعرض الحقائق حتى لا يتواجه مع الجموع المتعصبة ولا تتدنى نسبة المشاهدة والمتابعة عندها. يعني أنّ السبب الرئيسي لذلك يعود إلى الحرية الليبرالية التي تسعى إلى الربح حتى ولو على حساب الحقيقة والأمانة في نقل الأخبار. هذا يحصل حتى من دون حاجة لتوجيهات رسمية، ولا يقع تحت المحاسبة الجنائية حتى في زمن الحرب. ومع أنّ صحيفة هآرتس اليسارية المعارضة ما زالت تعرض وجهة نظر مخالفة بشكل جذري مع شبه الإجماع الإسرائيلي، فإنّ لا أحد يمنعها من ذلك لأنّ الكيان العبري يريد أن يحافظ على حرية الرأي حتى لا يتم اتهامه بالشمولية، كما أنّ قلة قراء الصحيفة تجعلها ضئيلة التأثير في مجتمع لا يريد أن يسمع غير مظلوميته المستندة في معظم الأحيان إلى التاريخ البعيد الأسطوري حول التوراة والدياسبورا، والقريب المثبت حول الهولوكوست.

من هنا يجن جنون الملتزمين بالصهيونية الدينية أو العنصرية عندما تتم مشابهة ما يحدث في غزة بإبادة جماعية أو تشبيه غزة بمعسكرات الاعتقال أو التذكير بأنّ ما يقوم به جيش إسرائيل يتماثل مع ما فعله النازيون. فهذا الأمر يحرمهم من أسطورة المظلومية التي جعلت منهم قوماً فوق العادة لا يحاسبون ولا يساءلون كغيرهم من البشر.

يعود جدعون ليفي ليؤكد أنّ أصوات الفلسطينيين كضحايا للوحشية الإسرائيلية لا تُسمع بتاتاً في إسرائيل ولا تصل إلا لضمير القلائل منهم لأنّها ستعادلهم في المظلومية مع آخرين، لا بل تجعل منهم جلادين تجدر محاسبتهم وصدّهم بدل كونهم ضحايا وجبت مسامحتهم والتغاضي عن هفواتهم بحكم التعويض عن المظلومية. من هنا، فإنّ الإسرائيلي لا يرى أي شيء، لا بل يتحاشى أي شيء يمكنه أن يحرمه من حصانة المظلومية، فيرى في كل شيء في غزة مقاتلاً من «حماس» كسر وهم المناعة في دولة يهودية. فلا الجوع ولا المرض ولا الموت ولا الدمار ولا الطفل الرضيع يعنيهم بشيء. هنا يؤكد ليفي أنّ القضية لم تبدأ في السابع من اكتوبر، فقضية خيانة الحقيقة في وسائل الإعلام الحر في إسرائيل مستدامة لعقود بدأت حتى قبل إنشاء دولة إسرائيل، واستمرت بتغطية الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين بشكل يومي وتجريدهم من حرمة إنسانيتهم وحقهم بالحياة كبشر. يعني أنّ فساد هذه الوسائل لم يبدأ مع السابع من أكتوبر، بل هو سياسة منهجية لإعلام رأسمالي يريد أن يرضي المتابعين بدل القيام بواجباته. ويعتقد ليفي أنّه لو قام الإعلام الإسرائيلي بواجباته لكان بالإمكان تطوير الرأي العام إلى دعم حلول مجدية تسمح لليهود والعرب العيش معاً من دون عنف منظم.

واستطرد ليقول إنّ واقع الأمر اليوم هو وجود حكومة تحتاج لاستمرار الحرب إلى أبعد مدة ممكنة لتتجنب السقوط والمحاسبة، وهي مدعومة بالمجهود الحربي بجنوح الأكثرية الساحقة من الإسرائيليين نحو الاستمرار، ما يعني المزيد من النكبات للفلسطينيين وأعداداً كبيرة من القتلى من الجنود الإسرائيليين، وزوال أي أمل بإطلاق المخطوفين المحكومين بالموت بسبب قرار إسرائيلي. كل ذلك من دون أفق أو حلول مستدامة غير بعض الهدن المؤقتة التي لا تلبث أن تنهار طالما أنّ الاحتلال بقي قائماً.

هكذا يمكن أن يخدم الإعلام الحر في نظام ديموقراطي منطق الشمولية الشعبوية التي تخدم السلطة وتتجاهل الحقيقة. جدعون ليفي يهودي تربى صهيونياً، لكنّه اليوم مثال لبشر تمكنوا من تحطيم أصنام الشعبوية والتعصب ليخدم الحقيقة حتى ولو على حساب الرأي العام.