زاك وكيلي وينيرسميث

الفضاء ليس الحدود النهائية

8 دقائق للقراءة

المصدر: Foreign Policy

يُصِرّ مؤيّدو استعمار الفضاء اليوم على طرح نظريات الغرب الأميركي التي ترتكز على الخرافات أكثر من المعطيات التاريخية الدقيقة، أبرزها «أطروحة تيرنر» التي كانت عبارة عن نظرية أساسية في الغرب الأميركي لكنها لم تعد شائعة في الأوساط الأكاديمية منذ عقود.



بدأت هذه النظرية مع خطاب ألقاه مؤرخ شاب اسمه فريديريك جاكسون تيرنر، في العام 1893، عن طبيعة الحدود الأميركية، فطرح أفكاراً تابع تطويرها على مر مسيرته التي منحته شهرة وطنية واسعة.

يمكن اختصار تلك الفكرة بما يلي: كانت الحدود الأميركية عبارة عن خط واسع يتّجه نحو الغرب، حيث يستطيع الرجال الأوروبيون الوصول إلى أراضٍ رخيصة. من خلال المطالبة بتلك الأراضي واستصلاحها وتنظيم العمليات لمحاربة سكانها السابقين، اكتسب هؤلاء مجموعة من الصفات الاجتماعية الإيجابية: القوة، والتفرّد الشرس، والروح الديمقراطية. عادت تلك القيم وتسللت إلى الساحل الشرقي الهش، تزامناً مع توحيد التقاليد الأوروبية المتنوعة لطرح مفهوم النزعة الأميركية العظيمة.

لكن على غرار أي نظرية مثيرة للاهتمام عن الطبيعة البشرية، يشمل هذا الطرح أيضاً شكلاً من الامتيازات المتلاشية. اشتكى تيرنر في خطابٍ ألقاه في العام 1893 من انغلاق خط الحدود أخيراً، بحسب إحصاء رسمي من العام 1890، ما يعني عدم تبقّي أي مساحات واسعة ومترابطة من الأراضي غير المأهولة. هكذا انتهى ذلك العصر وباتت جميع القيم الحدودية القديمة مُهددة بالاختفاء، ما يجازف بإضعاف الحيوية الأميركية وتعطيل محرك العظمة الأميركية.

إنها أفكار جاذبة لمحبّي استعمار الفضاء. الحدود ليست مجرّد مكان يمكن الذهاب إليه، بل إنها مساحة يجب أن يقصدها الناس لاكتساب القوة والصرامة، وتعزيز الديمقراطية، وتوحيد الصفوف. دعم معظم المؤرخين هذه النظرية في الجزء الأول من القرن العشرين، وسرعان ما أصبحت جزءاً من النقاشات المرتبطة باستعمار الفضاء واتخذت شكلاً حماسياً ومبسّطاً. بدأ تيرنر مع مرور الوقت يقلق من نشوء شكل خطير من الشعبوية بسبب القوى التي أطلقتها تلك الحدود، لكن يعتبر محبو استعمار الفضاء رسم تلك الحدود النهائية المزعومة مقاربة إيجابية.

تعليقاً على الموضوع، تكتب باتريسيا ليميريك، وهي واحدة من أبرز المؤرخين الغربيين الجدد: «اشتقت الديمقراطية الأميركية من مفكرين في الساحل الشرقي، لا من مستوطنات متواضعة في المناطق الداخلية». لطالما كان الغرب مرتبطاً ببقية أجزاء البلد بسبب حاجته إلى تمويل ضخم لتطويره.

موّلت الحكومة أيضاً البنى التحتية المتقاطعة في أنحاء البلد قبل انغلاق خط الحدود بفترة طويلة. عاش المستوطنون البيض في عزلة نسبية عن الحُكم الفدرالي في بعض المناطق، لكن لم يكن الغرب مستقلاً عن الشرق بمعنى الكلمة ولم يكن المنبع الوحيد للديمقراطية الأميركية.

مع ذلك، ينشغل المهووسون باستعمار الفضاء بمسائل شائكة من الماضي بدل التركيز على مستقبلٍ قد يفيد جميع الناس.

تحمل هذه المعركة طابعاً أكاديمياً، وهي تتمحور في معظمها حول المنهجيات والتفسيرات، لكن تشير النتيجة الأساسية إلى وجود ثقافة مختلفة في المناطق الأميركية التي أمضت معظم وقتها وهي تخوض «تجربة الحدود» المزعومة مقارنةً بأماكن لم تختبر هذه التجربة. بدت تلك المناطق أكثر ميلاً إلى انتخاب الجمهوريين خلال الانتخابات الأخيرة وأكثر دعماً لتخفيض الإنفاق الفدرالي لمساعدة الفقراء.

يحبّذ محبّو استعمار الفضاء هذا النوع من القِيَم حتماً. لكنّ هذا الجانب لا يبرر الاستعداد للتوجه إلى المريخ فوراً. تبقى البيانات المتاحة معقدة في ما يخص أي خطط خارج كوكب الأرض.

يحمل أثر الحدود أهمية علمية معيّنة، وقد تكون الأبحاث المرتبطة به مثيرة للاهتمام لكنها لا تنذر حتى الآن بمستقبل شديد الاختلاف.

يزعم بعض محبّي الفضاء أن الوصول إلى أرض جديدة يزيد فرص السلام لأن الصراعات تتمحور حول الأراضي، ويشمل الفضاء عدداً هائلاً من الأراضي التي تكفي الجميع. لكن يمكن استخلاص درس قيّم من الغرب القديم في هذا المجال بالذات.

حين فتح الغرب الأميركي أبوابه أمام المستوطنين البيض، تكلم الكثيرون عن وجود أراضٍ شاسعة ولامتناهية. ومع ذلك، لم تتوقف الحرب.

قد نحتفل بقدرة الحرب الأهلية على إنهاء أسوأ مؤسسة في تاريخ أميركا، لكن يُفترض ألا يزعم أحد أن زيادة الأراضي المجانية المتاحة للبشر تضمن إرساء السلام تلقائياً. حتى أن هذه الخطوة قد تعطي أثراً معاكساً.

في مطلق الأحوال، لن يحصل مستعمرو الفضاء على كمية هائلة من الأراضي المجانية. لا يمكن تحديد العناصر القادرة على جذب مستعمري المريخ، لكننا نعرف أن تراجع الأسعار لن يكون جزءاً من تلك العوامل.

في العام 2019، زعم إيلون ماسك أن الانتقال إلى المريخ «سيُكلّف أقل من 500 ألف دولار يوماً ما، أو حتى أقل من مئة ألف». وفق أفضل السيناريوات التفاؤلية إذاً، لن تناسب كلفة بلوغ تلك البقعة من الفضاء إلا الأكثر ثراءً، ولا مفر من زيادة الكلفة أيضاً لمن يريد مساحة مضغوطة ومقاوِمة للأشعة.

بعبارة أخرى، سيكون كل من يقصد أي مستعمرة فضائية ثرياً أو يختاره الأثرياء. لن يكون هذا الفرد مغامِراً وحيداً يبحث عن بداية جديدة، بل إنه شخص له روابط مالية عميقة مع كوكبه الأم.

كذلك، لن يحصل هؤلاء الأشخاص على أراضٍ زراعية جيّدة. غالباً ما يزعم مؤيّدو استعمار الفضاء أن الأراضي التي يملكها القطاع الخاص ستجذب الناس إلى النظام الشمسي، كما حصل مع المسافرين نحو خط الحدود. لكن تتعلق المشكلة الحقيقية بعدم اعتبار الأرض بحد ذاتها عامل جذب في أي ظرف من الظروف.



فريديريك جاكسون تيرنر



ظهر ممر «أوريغون تريل» في الولايات المتحدة مثلاً لتجاوز المساحة الضخمة التي لم تكن صالحة للزراعة في البلد بكل بساطة. تسيطر الحكومة الأميركية على محميات طبيعية ضخمة في الوقت الراهن، ويتعلق جزء من السبب ببقاء مسارات هائلة من الأراضي مُلكاً للحكومة بعد «إغلاق» خط الحدود، رغم تخفيض معدل الأسعار طوال عقود متلاحقة. كذلك، بقي كل جزء من تلك الأراضي أفضل بكثير من أي مساحة متاحة في أي بقعة من الفضاء.

يسهل أن نتابع تسليط الضوء على الاختلافات القائمة. من المتوقع مثلاً أن يكون مستعمرو الفضاء علماءً ومهندسين ماهرين بدل أن يكونوا مزارعين، أو أصحاب مزارع، أو مستكشفين. أصدرت الأمم المتحدة معاهدة الفضاء الخارجي في العام 1967، وهي تمنع صراحةً فرض أي شكل من السيادة على الأراضي في الفضاء. حتى لو كنت تتعامل مع تراب المريخ المليء بالسموم طوال خمس سنوات إذاً، لن تصبح مالك تلك الأرض التي تدوس عليها يوماً. كذلك، سيتكل مستعمرو الفضاء بشدة على أجهزة الإنعاش المتبقية، علماً أنها معرّضة للتخريب في أي لحظة. يتطلب هذا الوضع قواعد سلوكية صارمة.

الفضاء مكان مختلف بكل بساطة. لتطبيق نظرية تيرنر على الفضاء، يجب أن نبدأ إذاً باستعمال نظرية خاطئة من الماضي، ونجمعها مع مفهوم خاطئ عن الحاضر، ثم نأمل في التوصل إلى مفهوم صائب عن المستقبل.

لكن إذا كانت تلك الخرافة الغربية خاطئة لهذه الدرجة، ما سبب شيوعها حتى الآن وسط محبّي الفضاء؟ يجب أن يُطرَح هذا السؤال على المؤرخين الغربيين أيضاً. في هذا السياق، كتب المؤرخ ويليام كرونون الذي كان متخصصاً في دراسة أفكار تيرنر وترأس بنفسه «الجمعية التاريخية الأميركية»: «ربما تحتفظ نظرية تيرنر بقوة تفسيرية تفوق ما يعترف به النقاد. هي تُعبّر حتماً عن جزءٍ من أعمق الخرافات والرغبات التي يحملها عدد كبير من الأميركيين بشأن تجربتهم الوطنية».

لا تزال تلك الحدود الخرافية راسخة في الثقافة لأنها تمنح الناس ميزة معيّنة، فقد أصبحت أشبه بأسطورة عن الأصول الوطنية بالنسبة إلى عدد كبير من الأميركيين. تطرّق إليها الرئيس الأميركي السابق جون ف. كينيدي أثناء حديثه عن «الحدود الجديدة» عندما وافق على ترشّحه عن الحزب الديمقراطي. كذلك، ألقى الرئيس السابق رونالد ريغان، الذي كان راعي بقر في الأفلام سابقاً، خطاباً يذكر فيه «مؤرخاً مرموقاً» كتب أن «الأميركيين لم يتأثروا بتناقضات أفكارهم مع الواقع حين كانوا يبتكرون أساطيرهم الغربية. لم يكن الأميركيون يحملون فكرة واقعية عن الغرب، بل إنهم تمسّكوا بما اعتبروه حقيقياً».

ما أهمية أن يحمل الطامحون إلى استعمار الفضاء أفكاراً خاطئة عن التاريخ إذاً؟ حتى الآن، لم يصبح علم الاجتماع حاجة مُلحّة على سطح القمر.

لكننا بدأنا ندخل الآن حقبة جديدة حيث أصبحت كلفة إطلاق البعثات الفضائية رخيصة وأكثر سهولة بالنسبة إلى الدول، والمؤسسات، والأفراد من القطاع الخاص. في هذه الحقبة، تُعتبر الولايات المتحدة القوة الفضائية الرائدة، وهي تطرح راهناً الإطار القانوني الأكثر تحرراً على مستوى حقوق الملكية في الفضاء.

كانت الأساطير الأميركية الذاتية كفيلة برسم معالم علاقتنا مع سكان الأرض، وقد تُحدد الخرافات التي ننقلها إلى الفضاء اليوم معالم نمو المجتمعات في عوالم أخرى خلال القرون المقبلة.



باتريسيا ليميريك



في العام 1992، كتبت ليميريك مقالة عن استعمال استعارة الحدود من جانب وكالة «ناسا»، فذكرت فيها أنها لا تقلق من استخدام «ناسا» لتلك الحدود «لزيادة المبيعات بطريقة مريبة»، بل بدا وكأنها تريد زيادة المبيعات عبر «فكرة صادقة». يختلف التكلم عن الحدود المستوحاة من نظرية تيرنر عن تصديقها بالكامل، لا سيما إذا كانت الجماعة التي تصدّق تلك الاستعارة قادرة على تحديد مصير البشر في الفضاء.

في النهاية، تقول ليميريك: «الاستعارة التي نختارها تُوجّه قراراتنا وتجعل بعض البدائل تبدو منطقية وضرورية، فيما تصبح بدائل أخرى شبه خفيّة».