زياد عبد الصمد

طريق لبنان إلى التعافي

8 شباط 2024

02 : 00

إحتفل لبنان بمئويته الاولى عام 2020، أي بعد مرور مئة عام على اعلان دولة لبنان الكبير من قبل الانتداب الفرنسي على درج قصر الصنوبر الذي كان يسكنه المفوض السامي الجنرال جوزف أوجين غورو.

الا ان المناسبة التي كان يُرتجى منها ان تشهد احتفالية يتخلّلها حوارٌ بناءٌ وأكثر تفاؤلاً حول مستقبل البلاد، لم تجرِ كما كان يشتهي اللبنانيون.

فقد انتهت المئوية الأولى الى ما يشبه فشل الدولة التي تتداعى منذ ما يقارب العقد او أكثر. ربما يكون الفراغ الرئاسي أحد أبرز مؤشرات الفشل مع ما يستتبعه من فراغات في مختلف المؤسسات الدستورية والإدارية والأمنية. وقد يكون انفجار المرفأ الذي دمّر نصف العاصمة صيف 2020 أحد أبرز المؤشرات على شلل عمل المؤسسات السياسية والإدارية والقضائية والأجهزة الأمنية والجمركية.

ولكن تبقى الازمة الاعمق هي ما يشهدها النظام الاقتصادي والمالي والمصرفي والتي أدت الى تبخر أموال المواطنين وتقلص الخدمات العامة الى حدودها الدنيا، ولعلها أخطر ما يواجه اللبنانيين من تداعيات.

وعلى الرغم من فداحة الأوضاع المعيشية لم تباشر السلطات المعنية باقتراح الحلول الناجعة رغم مرور نيف وأربع سنوات على اندلاع الازمة.

رغم هذه الجرائم التي تُرتكب بحق الشعب اللبناني، لم تقم السلطات القضائية، وهي إحدى الركائز الأساسية للدولة، من وضع حد للإفلات من العقاب ما شجّع على التمادي في الانتهاكات والارتكابات بلا وازع ولا رادع، وغالباً بشكل فاضح.

على اللبنانيين تجاوز هذه الازمات الوجودية. وهذا يتطلب أولاً البت النهائي والحاسم بخيار الدولة الذي ينطلق من «سيادة القانون» وحصر حق استخدام القوّة والدفاع عن الحدود وصياغة العلاقات الخارجية بها وبمؤسساتها، الدولة التي تقوم على عقد اجتماعي يحترم حقوق الناس وواجباتهم، الدولة التي تقوم على أساس فصل السلطات والتداول السلمي للسلطة بما يعزز آليات المساءلة والمحاسبة ويضع حداً للإفلات من العقاب.

ومن ثم، ولمعالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، هناك أربعة تحديات تواجه مستقبل لبنان في مئويته الثانية لها تأثير على ميزاته التفاضلية ودوره في المنطقة:

• أول هذه التحديات ينطلق من فكرة الدور الوسيط الذي نشأ على أساسه لبنان، فلبنان الرسالة وهمزة الوصل بين الشرق والغرب وموقعه الجغرافي وطبيعته الجميلة ومناخه المعتدل عنى ان يكون وسيطاً في السياحة والتعليم والطبابة والخدمات المالية وفي القطاع المصرفي وغيرها، الا ان العولمة والتطور التكنولوجي والاقتصاد الرقمي والتحولات الكبرى التي شهدتها المنطقة خلال العقود الأخيرة انهت هذا الدور إذ إن دول المنطقة لم تعد بحاجة الى الوسيط.

لذلك لا بد من التفكير في رؤية اقتصادية مستقبلية مختلفة تضمن استمراريته وتميزه والتنمية البشرية المستدامة.

• ثانياً، النظر في طبيعة الاقتصاد اللبناني الذي اريد له ان يكون حراً كما ورد في مقدمة الدستور اللبناني.

وهذا يطرح عدداً من الأسئلة حول العلاقة بين الدولة والمؤسسات العامة والقطاع الخاص والمجتمع. فماذا يعني ان يكون الاقتصاد حراً؟

وما هو دور الدولة وما حدود تدخلها في الاقتصاد؟

هناك حاجة الى دولة قادرة على تصويب التشوهات التي تصيب الاقتصاد الحر من خلال المنافسة العادلة، ووضع السياسات العامة المطلوبة للانتقال من نموذج اقتصادي ريعي الى اقتصاد تنافسي يعتمد على تصدير السلع والخدمات.

وتضع مبادئ التوزيع وإعادة التوزيع تحقيقاً للعدالة التي أكد عليها الدستور في الفقرة جيم من مقدمة الدستور.

• التحدي الثالث هو جسر العلاقة بين العدالة والحقوق من جهة ورسم السياسات العامة والتشريع من جهة ثانية.

فقد بينت إحدى الدراسات التي أجريت حول الاقتصاد اللبناني في القرن العشرين انه يتميز باللامساواة والتمركز الشديد للثروات. هذا الامر يطرح جملة من التحديات أولها ضرورة استعادة الدولة ومؤسساتها بما يضمن الحد الأدنى من الحياة الديمقراطية وتعزيز القدرة على المساءلة والمحاسبة وعلى انتاج السياسات العامة التي تحقق بعضاً من العدالة المنشودة في الفرص والتوزيع وتحترم حقوق الناس.

• النقطة الرابعة هي ان العدالة الاجتماعية ليست نتاجاً للنمو الاقتصادي كما ساد في المئوية الأولى باستثناء المرحلة الشهابية في ستينات القرن الماضي.

صحيح ان العدالة ترتبط بشكل أو بآخر بالخيارات الاقتصادية الكلية لكنها تتحقق من خلال اعتماد السياسات الاجتماعية الملائمة والتي تنطلق من المقاربة الحقوقية وتهدف الى تحقيق العدالة والمساواة كما جاء في الدستور وكما نصت عليها التزامات لبنان الدولية في مجال حقوق الانسان والتنمية المستدامة. أما السياسات الاجتماعية العادلة فهي تلك التي ترتكز الى المقاربة الحقوقية وتعتمد الشمولية من حيث الخدمات والحقوق ونوعيتها والوصول الى كل المواطنين والمقيمين.

إن هذه النقاط تقودنا حكما الى التأكيد على ضرورة تحديد رؤية عصرية للبنان وموقعه ودوره وإعادة النظر في طبيعة الدولة ودورها، وفي الاقتصاد الذي قام على الريع المالي والعقاري والخدمات والانتقال الى الاقتصاد الرقمي والمعرفي وتوفير المتطلبات السياساتية والقانونية لتحقيق هذا الهدف وتحصينه.