جورج شبلي

النرسيسيّة والقادة عندنا

4 دقائق للقراءة

النرسيسيّة أو النّرجسيّة هي تسمية لأعراض شخصية تتّصف بالمبالغة في اعتبار الذّات فائقة الأهميّة، ما يؤدّي إلى شعور صاحبها بالعظمة، والقوة، والنجاح المنقطع النّظير، والاعتقاد بالتميّز والتفرّد عن الآخرين. وهذه الأعراض تقود إلى أوهام التفوّق، وعشق الذّات، والمثاليّة المطلقة، والفوقيّة، ما يذكّر بما وُصِف به «المتنبّي»، الذي ملأ الدّنيا وشغل النّاس، بأنّه ينظر إلى أخمص قدمَيه فيرى الزّمان تحتهما...

هذه العوارض التي اعتبرها علماء النّفس حالة مَرَضية، تفاقم تأثيرها في بعض القادة والمسؤولين، عندنا، على غِرار ضفدع «لافونتين» الذي أراد أن يصبح بحجم الثّور، فانتفخ حتى انفجر.

وأسوأ نتائج النرجسيّة اضمحلال التّوازن العقلي، أي تَبَخّر المنطق الذي يعصم الذّهن عن الخطأ، فالمنطق البعيد عن النرجسيّين، هو الوسيلة المعياريّة المأمونة التي تستند إلى قواعد وأصول، لتهيّئ إلى التّفكير السّليم، والاستنتاجات الصّحيحة.

إنّ الشّخص المصاب بالنّرجسيّة، وهذه حال أكثر المتعاطين في الشأن السياسي، عندنا، يسترسل في مَسخ قناعات له يقيس، على أساسها، ما هو صحيح، وما يحيد عن محجّة الصّواب الذي يحدّده هو بالذّات. وإنّ هذا التّشويه في رصف القياسات، والذي يأتيه المستسلمون لاستئثار النّرسيسيّة بأمخاخهم، ليس سوى زوغان بعيد عن حقيقة الفكر، كعِلم. إذ يجعلهم يصدّقون ما يقولون وما يصدر عنهم من سلوك ومواقف، والأنكى أنهم يحاولون دفع النّاس إلى الإقرار بصوابيّة كلامهم الهذيانيّ، ومواقفهم الملتبسة. والواقع أنّ كلّ واحد من هؤلاء الجهابذة، يتحفنا بالقول إنّه الوحيد المُقنِع، والصّادق، والعُصاميّ، والمترفِّع عن الدّونيّات، والمثاليّ في ولائه الوطنيّ، وذلك بشوفانيّة أين منها ما قاله واحد من غُلاة الصوفيّة: «أنا ربُّكم فاعبدوني».

واستناداً إلى ما يوصي به علماء النّفس، يجدر بنا تذكير أولياء الشّأن، هؤلاء، المهووسين بالنّرجسية، واشتهاء الذّات، أنْ لا قيمة عمليّة لهذا السّلوك، لأنه لا يخضع لمَلَكة التّفكير الموضوعيّ، والمنطقيّ، بل لهلوسات عقيمة تكابد هزيمة عقليّة نكراء. إنّ هذا الوباء الخبيث في إلصاق الصّفات الطّوباويّة على ذات النّرجسي، وتحصينه عن الزّلل والخطأ والرّذائل واللّوثات، يمكن، وبحسب علماء النّفس أنفسهم، أن يطفو على بِركة شخصيّة المُصاب، في عمر المراهقة، لكنّه لا يلبث أن يزول مع النّضج، ومع اكتساب الخبرة الحياتيّة، والاغتناء بمزايا العقل. أمّا عندنا، وللأسف، فالنرسيسيّة والانبهار بالذّات، لا يزالان يلوّثان سلوك القادة الميامين، وقد بلغوا من العمر عَتِيّاً، فأعراض التّشاوف، والأنانيّة، وادّعاء التّمايز، وعبادة الذّات... ليست سوى استغراق في الهلوسة التي تشير، تحديداً، إلى عُطل في مركز التّفكير الدّماغي، ومن المُحتمَل، أو من المؤكَّد، ألّا يُشفَوا منه، ويا لَتَعتير بلادنا.

إنّ الكابوس الذي كان يتحكّم بشعبنا، ولمّا يزل مستمرّاً حتى اليوم، وبحدّة، هو إصابة المتنفِّذين الذين يدّعون القيادة، بالغرور المفرط، فكلٌّ منهم ينتابه شعور مبالَغ فيه بأهميّته، ويعتبر نفسه مرجعيّة لا تخطئ، ما يدفعه إلى عدم تَقبّل أيّ انتقاد، أو ملاحظة، وبالعكس، فهو يرى نفسه جديراً بالإطراء، ويستحقّ التّقدير، والتّكريم، والتّبجيل، حتى لو عَطَس. أمّا إذا تجرّأ أحدٌ مِمَّن يختلفون معه في الرأي، أو الموقف، أو التوجّه السياسي، وواجهه، فللحال يتقلّب مزاجه، ولا يتجنّب ازدراء منتقده، والانقضاض عليه بعبارات نابية، ومن العيار الثّقيل، ويُلصق به تُهماً ربّما يكون هذا المُنتقِد منها براء.

أمّا الأدهى، مع نرسيسيّي آخر زمن، في بلادنا، فإسراعهم إلى إسدائنا النّصح، وإتحافنا بإرشادات تنتسب إلى النّمط الإيعازي الذي يتقزّز منه أكثر المتلقّين. والنّاصحون المعصومون عن الشَّطط، الذين يضع كلّ واحد منهم نفسه في موقع «الدّاعية»، أو الواعظ، يعتبرون أنفسهم هابطين من ضِلع «أرسطو»، أو متَّصِلين بصفحات اللّوح المكتوب، فيوزّعون النّصائح والتّوجيهات، في كلّ اتّجاه، وينتظرون الشّكران من المنتَصِحين المنقوصي اللبّ، والذين عليهم أن يكرّروا، للمُصطَفين الشوفانيّين، ما قالته «المِطرة» للمصطفى، في كتاب «النبيّ» لجبران، وهو يهمّ بمغادرة أورفليس: « كلّ ما نطمع فيه منك، هو الحصول على بعض الحقيقة التي أنتَ حاصل عليها».

وبعد، إذا كان «نرسيس» شخصية أسطوريّة من مفاعيل الميثوس الإغريقي، فالنرسيسيّون من قادة الشّأن العام، عندنا، هم واقعيّون، طاووسيّون بامتياز، مُنينا بهم، آسفين، وأين منهم السيّد «نرسيس» الذي فقشوا حصرمة في عينه!