ستيفن والت

الولايات المتحدة تُعاني بسبب قوة إرادة خصومها

8 شباط 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

الرئيس الأميركي جو بايدن في غرفة العمليات العسكرية إلى جانب وزير الدفاع لويد أوستن | 29 كانون الثاني ٢٠٢٤

تبدو السياسة الخارجية الأميركية في السنوات الأخيرة أشبه بسلسلة من المغامرات الشائبة، فقد فشلت الحروب في العراق وأفغانستان، وتعثرت جهود السلام في الشرق الأوسط، وزادت القدرات النووية في بعض البلدان المنافِسة، وتتعدد المواقف المحرجة التي يتعرّض لها البلد. لكن تأتي الانتكاسة الأخيرة التي تترافق مع مقتل ثلاثة جنود أميركيين في الأردن، غداة هجوم ميليشيا موالية لإيران بطائرة مسيّرة، لتطرح أسئلة جديدة حول ما تفعله القوات الأميركية في تلك المناطق المضطربة وصوابية إبقائها هناك.



يسهل أن نلوم قلة كفاءة القيادة الأميركية (من الحزبَين الجمهوري والديموقراطي) أو الاستراتيجية الكبرى الشائبة على الإخفاقات المتكررة، لكن تواجه الجهود الأميركية الرامية إلى رسم معالم السياسة العالمية مشكلة بنيوية أكثر عمقاً يغفل عنها الكثيرون.

لا تفشل المبادرات أحياناً بسبب سوء الاستراتيجية الأميركية أو تراجع مهارات المسؤولين، بل لأن الخصوم هم أكبر المتأثرين بالنتائج النهائية، ما يجعلهم أكثر استعداداً لتقديم التضحيات. في هذه الظروف، قد تتفوق قوة إرادة الخصوم على النفوذ الأميركي الفائق.

تظهر هذه المشكلة بشكلٍ أساسي لأن الولايات المتحدة تُعتبر القوة العظمى الأكثر أماناً في التاريخ الحديث، فهي لا تواجه خصوماً حقيقيين في أي مكان قريب من أراضيها، وتملك اقتصاداً كبيراً ومتطوراً ومتنوعاً، وتتكل على آلاف الأسلحة النووية، وتستفيد من موقع جغرافي إيجابي. قد لا يدوم مستوى أمنها وازدهارها الراهن إلى الأبد، لكن لا يتمتع أي بلد آخر بعوامل إيجابية بالقدر نفسه اليوم.

وجدت الولايات المتحدة نفسها وهي تحارب خصوماً بعيدين عن أرضها في مناسبات متكررة، فكانت تنتشر في أراضٍ قريبة منهم أو في بلدهم مباشرةً. تدخّلت الصين حين كانت أكثر ضعفاً في الماضي في الحرب الكورية لأن القوات الأميركية بدأت تقترب من الحدود الصينية، وكان ماو تسي تونغ مستعداً للتضحية بأكثر من مئة ألف جندي لمنع الأميركيين وحلفائهم من السيطرة على كامل شبه الجزيرة الكورية. على صعيد آخر، كانت الولايات المتحدة تهتم بما يكفي بفيتنام، فأرسلت ما يفوق المليونَي جندي إلى هناك وخسرت أكثر من 58 ألف عنصر منهم، لكن بدا وكأن المسؤولين في شمال فيتنام كانوا أكثر اهتماماً بقضيتهم من الأميركيين، فتحمّلوا خسائر أسوأ بكثير ونجحوا في فرض تفوّقهم في نهاية المطاف.

كذلك، كان الأميركيون على أتمّ استعداد لمطاردة تنظيم «القاعدة» في أفغانستان بعد هجوم 11 أيلول، حتى أنهم أبدوا استعدادهم للبقاء هناك لسنوات ومحاولة منع حركة «طالبان» من العودة إلى السلطة. لكن تبيّن في النهاية أن «طالبان» كانت تهتم بمصير ذلك البلد أكثر من الأميركيين. تتكرر الظروف نفسها في أوكرانيا اليوم: أبدت الولايات المتحدة وبلدان أخرى استعدادها لإرسال الأموال والأسلحة إلى البلد واتخاذ خطوات مكلفة أخرى لمساعدة كييف، لكن بدا القادة الروس أكثر استعداداً لإرسال الجنود للقتال والموت هناك، على عكس داعمي أوكرانيا الخارجيين. لا يعني ذلك أن القادة الغربيين جبناء، لكن تحمل هذه القضية أهمية كبرى بالنسبة إلى موسكو (وأوكرانيا) مقارنةً ببقية دول العالم. تكمن مشكلة مزعجة من هذا النوع في النقاشات المرتبطة بتايوان أيضاً: مهما شدّد المسؤولون وخبراء الدفاع الأميركيون على اعتبار استقلالية تايوان جزءاً من المصالح الأميركية الأساسية، يصعب أن يثق أحد بأنهم يهتمون بهذا الملف أكثر من بكين.

لكن لا تعني قوة تصميم الخصوم وتأثّرهم بالتطورات أن تمتنع الولايات المتحدة عن القيام بالتزامات عالمية أو التدخل في الصراعات البعيدة. قد لا يحتاج البلد إلى المستوى نفسه من قوة الإرادة لمنع الخصم من اتخاذ خطوات محفوفة بالمخاطر، لأن أحداً لا يستطيع التأكيد على امتناع الطرف الآخر عن الرد وفرض تكاليف لا يريد أحد تحمّلها. ولا يعني ذلك أيضاً أن الخصم الذي يتمتع بقوة إرادة فائقة سينتصر بالضرورة، وقد اتّضح ذلك في المواجهات مع العراق في العام 1991، وصربيا في العام 1999، ومع تنظيم «الدولة الإسلامية» في العراق.

عملياً، تعاملت الولايات المتحدة مع هذه المشكلة بطريقتَين. كانت الطريقة الأولى تقضي بربط قوة الإرادة والصدقية الأميركية بنتيجة صراع محدد. حتى لو لم تكن المجازفات مؤثرة بمعنى الكلمة، يُصِرّ المسؤولون على ضرورة أن يفرضوا سيطرتهم لمنع ظهور أي تحديات مستقبلية في أماكن أخرى. تحاول هذه الاستراتيجية إقناع الخصوم بأن اهتمام الولايات المتحدة بمسألة معيّنة هو أكبر مما أوحت به في البداية لأنها تربط هذا الموضوع بكلّ الالتزامات أو الاهتمامات التي عبّر عنها الأميركيون في الماضي.

كما حصل في فيتنام، والعراق، وأفغانستان، قد تسمح هذه المقاربة بالحفاظ على دعم الرأي العام للحروب المتعثرة وفي الظروف التي تفوق فيها المنافع المتوقعة أي تكاليف محتملة. لكنها قد لا تقنع الخصوم بأن واشنطن ستتابع مسارها إلى الأبد، لا سيما إذا كانوا مصمّمين على أفعالهم وإذا بدأ حلفاء آخرون للولايات المتحدة بالتذمر من إقدام واشنطن على تبديد الموارد التي يمكن تخصيصها لحمايتهم. وكلما زادت الالتزامات التي تقوم بها الدولة، من الأصعب عليها أن تدافع عنها دفعةً واحدة وسرعان ما تتراجع صدقية كل التزام منها. يُفترض أن يدرك المنافِسون هذا الواقع في نهاية المطاف ويبحثوا عن الفرص المناسبة للاستفادة من الوضع.

يقضي الحل الثاني بالحفاظ على درجة كافية من التفوّق العسكري والاقتصادي للسماح للولايات المتحدة بهزم خصومها مقابل كلفة متدنية أو معدومة. قد يكون الخصم أكثر اهتماماً بالمسائل التي تصبح على المحك، لكنه لا يهتم في المقابل باضطراره لدفع كلفة عالية لبلوغ أهدافه ومنع الطرف الآخر من تحقيق ما يريده. تحدّى صدام حسين الولايات المتحدة في العام 1990 لأنه ظن أن المجتمع الأميركي لن يتقبّل خسارة 10 آلاف عنصر في معركة واحدة، لكن أدرك القادة الأميركيون حينها أنهم لن يخسروا هذا العدد من العناصر، ثم أثبتت «عملية عاصفة الصحراء» أنهم كانوا محقين في تقديراتهم. يمكن اعتبار هذا المبدأ أساساً للمقاربة التي تستعملها الولايات المتحدة لتوجيه سياستها الدفاعية والخارجية، فهي تنفق أموالاً طائلة لاكتساب قدرات تسمح لها بهزم العدو بكلفة متدنية نسبياً، وتُخصص موارد كثيرة لحماية القوات عبر تدابير متنوعة، وتستعمل سيطرتها على أهم مفاصل النظام المالي العالمي لفرض عقوبات أحادية الجانب على الآخرين، وتتكل على قوات برّية محلية إذا أمكن (بما يشبه المواجهات القائمة اليوم بين القوات العراقية الخاصة وتنظيم «الدولة الإسلامية» أو بين الأوكرانيين وروسيا).

لكن تكمن المشكلة الحقيقية في صعوبة الحفاظ على هذا الهامش من التفوّق، لا سيما بعد انتهاء عصر العالم أحادي القطب وعودة قوى عظمى منافِسة أخرى إلى الواجهة. كذلك، يتراجع التفوق العسكري الأميركي دوماً حين يواجه حركات تمرّد وأشكالاً أخرى من المقاومة المحلية.

على صعيد آخر، بدأت التطورات التكنولوجية (طائرات مسيّرة، أجهزة مراقبة متطورة، انتشار القدرات الصاروخية...) تمنح جهات ضعيفة نسبياً، مثل الحوثيين في اليمن، القدرة على فرض تكاليف متزايدة على أي خصوم يملكون قدرات أقوى من غيرهم بشكل عام. قد تعجز الأطراف المحلية المندفعة رغم ضعفها عن إجبار الولايات المتحدة على الرضوخ لرغباتها، لكنها قد تُصعّب على واشنطن التحرك من دون أن يحاسبها أحد، كما كان يحصل منذ عقدَين.

إذا بدأ العالم يدخل في حقبة الهيمنة الدفاعية، وإذا كانت قوة إرادة معظم الدول تبلغ أعلى المستويات في محيطها المجاور، لا مفر من تراجع قدرة أي بلد على فرض نفوذ عالمي واسع ومطلق. يسهل أن نتخيّل نشوء نظام متعدد الأقطاب حيث تفرض ست قوى عظمى أو أكثر درجة من النفوذ في محيطها، لكن يتراجع تأثيرها سريعاً كلما ابتعدت عن أراضيها. قد ينحسر ذلك النفوذ جزئياً بسبب تراجع القدرة على فرض السيطرة على مسافات بعيدة، لكن يتعلق سبب آخر بتغيّر مستوى قوة الإرادة لمصلحة الآخرين كلما أطلق البلد مغامرات بعيدة.

في هذا العالم الجديد، ستضطر الولايات المتحدة لاختيار معاركها بحذر يفوق ما كانت تفعله في الماضي، لأن تكاليف التدخّل في كل مكان واتخاذ كلّ أنواع الخطوات سترتفع حتماً، وسيبدي الخصوم البعيدون استعداداً متزايداً لدفع تلك التكاليف في مناطق أقرب إليهم وأبعد عن الولايات المتحدة. من الناحية الإيجابية، قد يبدأ جزء من حلفاء الأميركيين الحاليين بمضاعفة جهودهم لحماية أنفسهم ومحيطهم في هذا العالم المستجدّ لأن هذه الخطوة تخدم مصالحهم. سيكون هذا العالم مختلفاً عما كان عليه في آخر 75 سنة، لكن يُفترض ألا يشعر الأميركيون بقلق مفرط من هذه المستجدات، فقد يصبّ الوضع في مصلحتهم في نهاية المطاف.