كيث جونسون

الكابلات البحرية هدف الحوثيين المقبل

9 شباط 2024

المصدر: Foreign Policy

02 : 00

صورة جوّية لمضيق باب المندب | 22 تشرين الأوّل 2022

في منتصف الحملة التي أطلقها المتمرّدون الحوثيون المدعومون من إيران في اليمن في الأسابيع الأخيرة لإعاقة ممر الشحن الأساسي في البحر الأحمر، بدأ مصدر قلق جديد يتسلل إلى واجهة الأحداث: قد يستهدف الحوثيون مجموعة من الكابلات البحرية التي تنقل معظم البيانات والاتصالات المالية بين أوروبا وآسيا.

حتى الآن، ركّزت معظم المخاوف المتعلّقة بحملة الحوثيين على احتمال أن تتعطل حركة الشحن التجاري ويتوقف تدفّق مصادر الطاقة عبر نقطة الاختناق الأساسية بين قناة السويس والمحيط الهندي، وهو سبب مبرر للقلق. لكن تشدد المخاوف الجديدة على تحوّل البنى التحتية تحت سطح البحر (ونقاط ضعفها المحتملة) إلى عامل مؤثر في مجال الأمن البحري العالمي.

في أواخر كانون الأول، نشر حساب على صلة بالمقاتلين الحوثيين على «تلغرام» تهديدات محتملة ضد عشرات كابلات الألياف البصرية التي تمرّ بمضيق باب المندب في غرب اليمن. ثمّ تضخّمت تلك التهديدات الغامضة عبر حسابات مرتبطة بمقاتلين آخرين مدعومين من إيران، وفق معلومات «معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام».

في السنوات الأخيرة، أصبحت البنى التحتية الأساسية في قاع البحر جزءاً من ساحة المعركة في المنطقة الرمادية، فقد أرعبت «سفن الأشباح» الروسية الدول المجاورة في بحر البلطيق وبحر الشمال. ومنذ أكثر من سنة، انفجر خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 1» بين روسيا وألمانيا بطريقة غامضة (تزامناً مع تضرر خط «نورد ستريم 2). وفي الخريف الماضي، تضررت خطوط الطاقة وروابط البيانات في شرق البلطيق بشكلٍ غامض أيضاً. في غضون ذلك، تعرّضت روابط البيانات لحوادث مشابهة في البحر الأبيض المتوسط.

لم تترافق التهديدات المبهمة ضد الكابلات البحرية في البحر الأحمر مع أي حوادث حتى الآن، لكن تبدو أهمية هذا الهدف واضحة للجميع: لا يمكن نقل هذا الكمّ من البيانات والأموال بين أوروبا وآسيا إلا عبر الاتكال على مجموعة من كابلات الألياف البصرية التي تتسلل إلى منطقة يكون فيها الحوثيون الأكثر نشاطاً.

تعليقاً على الموضوع، يقول تيموثي سترونغ، نائب رئيس القسم البحثي في شركة أبحاث سوق الاتصالات TeleGeography: «يمرّ أكثر من 99 في المئة من الاتصالات العابرة للقارات بالكابلات البحرية، وهي لا تقتصر على الإنترنت، بل تشمل أيضاً الصفقات المالية والتحويلات بين البنوك. يتكل عدد كبير من الأقسام الدفاعية على الكابلات أيضاً. كل ما يمكن ربطه بالاتصالات الدولية يتأثر بالكابلات البحرية. في ما يخص البحر الأحمر، يمكن اعتباره محورياً للربط بين أوروبا وآسيا».

بعيداً عن التهديدات المطروحة، يتعلق أول سؤال أساسي بقدرة الحوثيين على تعطيل الكابلات البحرية التي تكون راسخة في قاع البحر بشكل عام. حتى الآن، تنجم معظم اعتداءات الحوثيين عن إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة في اتجاه السفن التجارية في المنطقة (بالإضافة إلى السفن البحرية الأميركية والبريطانية).

كان بروس جونز من «معهد بروكينغز» قد كتب مقالات كثيرة عن أهمية الكابلات البحرية، وهو يعلّق على التطورات الأخيرة قائلاً: «لا أعتبر أي جزء من ترسانة الحوثيين خطراً بالنسبة إلى الكابلات البحرية. لتعطيل هذه الأسلاك، لا بد من الوصول إلى قاع البحر».

لكن يحصل الحوثيون على الدعم والأسلحة من إيران، وتستعملهم طهران كجزء من عملائها الإقليميين لضرب المصالح الغربية والخليجية. وحتى لو كان الحوثيون بحد ذاتهم يفتقرون إلى القدرات اللازمة، يظن جونز أن وضع إيران قد يكون مختلفاً، لا سيما إذا تصاعدت الاضطرابات بين الولايات المتحدة وإيران.

يضيف جونز: «يجب أن نتساءل إذاً عن القدرات التي يملكها الإيرانيون واستعدادهم لاتخاذ هذه الخطوة. يجب أن نتنبه إلى هذا العامل بحسب رأيي. إذا تدهور الوضع بدرجة إضافية وبدأت المناوشات بين الولايات المتحدة وإيران، يُفترض أن نتساءل عن امتلاك الإيرانيين لتلك الإمكانات».

لكن تبرز طرق أقل تطوراً من الناحية التكنولوجية لتعطيل بعض الكابلات البحرية، لا سيما في الأماكن حيث يتم تركيبها في مياه ضحلة. يقول سترونغ إن ثلثَي الحوادث المرتبطة بالكابلات البحرية يكون من صنع البشر، وهي تنجم في معظم الأوقات عن سفن الصيد أو السفن التجارية التي تجرّ مراسيها في قاع البحر. يظن الخبراء أن هذه المقاربة قد تمنح الحوثيين القدرة على تعطيل بعض الكابلات البحرية جزئياً على الأقل.

في الحالات العادية، لا يطرح هذا الوضع مشكلة كبيرة: تبقي الولايات المتحدة ومعظم البلدان الأخرى سفن إصلاح الكابلات في حالة تأهب لإصلاح أي أعطال في روابط البيانات الأساسية تحت الماء. لكن في ظل استمرار حملة المضايقات الحوثية في البحر الأحمر، لا يمكن أن تبقى أي سفن في مكانها لأيام عدة لمحاولة تصليح كابل متضرر. لهذا السبب، قد تختلط تهديدات الغواصات مع الأعطال التي تُسببها على سطح البحر.

مع ذلك، يتعلق الفرق الحقيقي بين روابط البيانات وشبكات الطاقة تحت البحر، مثل خطوط أنابيب «نورد ستريم» أو الموصلات في البلطيق، بوجود بدائل كثيرة أخرى عن النفط أو الغاز لتنشيط حركة المرور.

يوضح سترونغ: «على المستوى الفردي، يكون الكابل هشاً جداً. لكن يكتسب النظام كله قوة فائقة جماعياً. سيكون فصل أي بلد يتكل على روابط قوية عن كامل الشبكة هدفاً بالغ الصعوبة. إذاً، تتطلب هذه العملية هجوماً منسّقاً وشديد التعقيد لتعطيل كلّ الكابلات دفعةً واحدة».

لكن ترتبط أكبر مشكلة فعلياً بزيادة اقتناع المخططين الدفاعيين والمحللين الأمنيين بأهمية وهشاشة نظام البنية التحتية الضخم تحت البحر في كافة أنحاء العالم. تكاثرت خطوط أنابيب النفط والغاز، وتوسعت روابط البيانات تحت البحر بدرجة هائلة في السنوات الأخيرة، وهي تنذر بتحقيق نمو أكثر إبهاراً هذه السنة وفي العام المقبل لمواكبة الطلب المتزايد على الإرسال الرقمي.

لا تُعتبر ظاهرة استعمال قاع البحر كسلاح بحد ذاته جديدة بالكامل: أقدم البريطانيون مثلاً على قطع كابلات التلغراف البحرية الألمانية في بداية الحرب العالمية الأولى لعزل برلين عن العالم، وأصبح جهاز السونار في عمق البحر داخل الفجوة الواقعة بين غرينلاند وأيسلندا والمملكة المتحدة أداة ثابتة خلال الحرب الباردة. لكن بدأت زيادة أهمية البنى التحتية تحت البحر بالنسبة إلى الاقتصاد العالمي تجبر المعنيين على إعادة النظر بالمهمّة البحرية التقليدية التي تقضي بحماية خطوط الاتصالات البحرية.

في هذا الإطار، يقول سيباستيان برونز، خبير بحري من مركز الاستراتيجية البحرية والأمن ومعهد السياسة الأمنية في جامعة «كيل»، ألمانيا: «لا تزال خطوط الاتصالات البحرية الكلاسيكية مهمة، لكنها باتت تطرح اليوم مشكلة متعددة الأبعاد ومختلفة بالكامل. لهذا السبب، لم يعد نظام القوافل التقليدي لسفن الشحن كافياً، مع أن عدداً كبيراً من الناس ما زال يفكر به عند تقييم المشكلة على ما أظن».

في السنة الماضية، أنشأ حلف الناتو خلية جديدة لتنسيق جهود حماية الشبكات الأساسية تحت البحر بعد استهداف خط «نورد ستريم». يعتبر المحللون البحريون أن حماية تلك الموارد هي عملية محورية تزداد أهمية وسط القوات البحرية، لا سيما في المياه الأوروبية المليئة بالبنى التحتية.

أصدر مركز لاهاي للدراسات الاستراتيجية للتو تقريراً جديداً يسلّط الضوء على الأهمية المتزايدة للقوات البحرية الأوروبية من أجل تطوير مركبات غير مأهولة تحت البحر لمراقبة البنى التحتية هناك، وهو يشدد على ضرورة أن تعطي القوات البحرية الأوروبية الأولوية لحماية مناطق «الوصول» الأساسية نحو أوروبا، بما في ذلك البحر الأحمر. يضيف التقرير: «لقد تطورت مهمّة الحماية بطريقة ملحوظة، وانضمت عملية حماية البنى التحتية إلى هذه المعادلة الآن».

وبما أن معظم التركيز في هذه المهمّة الجديدة يصبّ حتى الآن على خطوط أنابيب الطاقة الشديدة الهشاشة، لا سيما بعد مهاجمة خط «نورد ستريم» ووقوع حوادث متنوعة أخرى، تبقى ركائز العالم تحت البحر (ونقاط ضعفه المحتملة) على صلة بروابط البيانات.

في النهاية، يقول جونز: «لقد اتّضح اليوم أن الكابلات المالية تحت البحر هي أهم شبكة بالنسبة إلى العولمة، لكنها شبكتها الأكثر ضعفاً في الوقت نفسه».