ليس واضحاً ما ستكون عليه محطة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري المتوقّعة في بيروت. هل هي مجرّد زيارة لإحياء ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري ولقاء الأنصار والأصدقاء تنتهي بالعودة إلى مقر الإقامة في أبو ظبي؟ أم أنها بداية لاستعادة «تيار المستقبل» نشاطه السياسي بقيادة زعيمه الحاضر بين جمهوره مع ما يعنيه ذلك من انخراط في العمل الوطني السياسي والاجتماعي بعد غياب مستمرّ منذ 24 كانون الثاني 2022، أي منذ عامين بالتمام والكمال؟
السؤال الطبيعي ليس عن استعداد سعد الحريري للمساهمة في الحياة السياسية للبلد. فالرجل الذي خلف والده في قيادة أكبر تيار سياسي وترأس حكومات وقاد أكبر كتلة نيابية في المجلس النيابي، سعى إلى ما اعتبره إنقاذاً للبنان في المفترقات الصعبة. أسهم بتسوية إنهاء الفراغ الرئاسي التي جاءت بميشال عون رئيساً رغم الاعتراضات التي واجهها، ثم تجاوب مع انتفاضة 17 تشرين مقدّماً استقالته كمقدمة للبحث عن طاقم جديد يلبّي موجبات الأزمة، ومع ذلك جوبِه من الذين عمل معهم بالجحود والإصرار على الخلاص منه وعدم احترام الكتلة الشعبية الكبيرة التي يمثّلها. فجاء انسحابه خاتمة لمرحلة ويأساً من إمكانية إحداث خرق في واقع محكوم بقوى تمنع أي تغيير أو تقدّم إلى الأمام.
أسباب الانكفاء وتعليق العمل السياسي اختصرها الحريري في خطابه يوم 24 كانون الثاني قبل عامين الذي قال فيه «لأنني مقتنع أن لا مجال لأي فرصة إيجابية للبنان في ظل النفوذ الإيراني والتخبّط الدولي، والانقسام الوطني واستعار الطائفية واهتراء الدولة، أعلن التالي:
أولاً: تعليق عملي بالحياة السياسية ودعوة عائلتي في «تيار المستقبل» لاتخاذ الخطوة نفسها.
ثانياً: عدم الترشح للانتخابات النيابية وعدم التقدّم بأي ترشيحات من «تيار المستقبل» أو باسم التيار».
هل تغيّر شيء من الظروف التي أملت على الحريري قراره بالانكفاء؟ هل تراجع النفوذ الإيراني والانقسام الدولي والتناحر المذهبي وتآكل الدولة؟ لا يبدو أنّ شيئاً من ذلك قد حصل. بل على العكس زادت الانقسامات ودخلت الدولة في الغيبوبة وبلغ النفوذ الإيراني أوجَه مع قرار شنّ الحرب ضد إسرائيل بقرار حزبي لا علاقة له بالدولة ومؤسساتها. لم يتغيّر شيء في الأسباب التي جعلت الحريري ينكفئ. وغيابه لم يسهم في جعل الأمور تتحسّن، بل زاد في تفاقم الأزمات. الآن يطالب بعودته كثيرون، في مقدّمهم جمهوره المخلص، وهؤلاء وحدهم يصدقونه القول، أما العديد من السياسيين الذين يتحدّثون عن رغبتهم في حضوره بينهم، فإنهم لم يقدّموا شيئاً لجعل هذه العودة خطوة إلى الأمام، وعلى الأرجح يريدون منه إضافةً أخرى لانقساماتهم ومشاريعهم الخاصة، وهذا لا ينسجم مع ما يفترض أن الحريري يراه شرطاً للانخراط مجدداً في العمل السياسي.
مع ذلك، كل المفاجآت واردة.