شربل داغر

لا تكفي قوة السلاح من دون قوة المجتمع

12 شباط 2024

02 : 00

توقفتُ، في ما قرأتُ في الشهور الأخيرة، عند أوضاع وظروف في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وتحقّقتُ فيها، سواء في اسطنبول أم القاهرة أم بيروت، من أنها كانت تتخلّص، في الكثير من ظواهر وجودها وحراكها، مِمّا كانت عليه: اعتمدتْ، حينها، ما هو متّبع في المجتمعات الأوروبية.

هذا ظهر في الزي، في أثاث البيت، في بناء مضامين تعليمية وفنية وثقافية، في انفتاح الأدب وتخالطه مع ما بات عليه «الأدب» في أوروبا.

هذا ما استمرّ وتأكّد في عقود تالية، فيها وفي غيرها، تحت «عناية» وتوجيه الاستعمار، وفي تطلعِ نخبٍ محلية متعاظمة.

هذا ما عنى، حتى بعد خروج الاستعمار، التعلقَ بمثال لم يعد أوروبياً فقط، بل غربياً.

إلا أن هذا بدأ بالتراجع مع تحكّم النخب العسكرية بقسم من السياسات العربية، لصالح «الهوية» المصاغة بعبارات «شعبوية» غالباً: هذا ما شمل القومية في صيغها العديدة والمتضاربة، أو الماركسية، أو الإسلاموية (بين سنية وشيعية)، أو النظريات «الوطنية» وغيرها.

وما عرفتْه هذه البلاد يمكن تلخيصه في نزعتَين متلازمتَين ومتضاربتَين: لم تُعرف تشكلات الخيار البرلماني والديمقراطي إلا في ظل الاستعمار عملياً، ومع حكوماته «الوطنية» (كما كانت تُسمّى)، فيما راح هذا الخيار يتساقط على عجل مع قيام الانقلابات و»الثورات»، لصالح «شعب واحد»، أو «أمة واحدة»، فيما كانت تنقاد السياسات عملياً لصالح الزعيم الواحد.

أما النزعة الثانية، فقد عنتْ دخول أسواق هذه البلاد في دورة الرأسمال العالمي، بعد أن حافظتِ السلطنة العثمانية على نظام زراعي وتجاري وحِرَفي حتى عقودها الأخيرة، فيما كانت «الثورة الصناعية» قد قلبتِ المجتمعات الأوروبية، وبات التوسّع الرأسمالي، وحاجته إلى أسواق جديدة، مهمة عاجلة.

هذا ما أحدثَه الاستعمار، وهو ما تشكّلَ في التحكم بالثورة النفطية مبكراً، أو تمثلَ في إدخال متفاوت لموارد الاقتصادات المحلية في الدورة الرأسمالية الغربية.

هذا ما لم ينقطع قبل حكومات العسكر وبعدها، وإن اتّخذ أشكال «رأسمالية دولة»، التي تمثلت خصوصاً في توسعة «القطاع العام»، من جهة، وفي جعل الانتفاع والقربى من الحكم... حظوة مالية ونفعية، من جهة ثانية.

عنى هذا أن التلازم الذي بنت عليه الحكومات الأوروبية، ثم الغربية، قوّتها، بين قوة الاقتصاد وقوة الديمقراطية، اختلّ في هذه البلاد، أو لم يقم في هذه البلاد، وبات نظاماً أقرب إلى العرج.

وهي صيغة في الحكم لا تزال تعوّل على الإمساك بتقاليد السلطة، وإخضاعِ قوى المجتمع، وشلِّ قدراته بالتالي. ولهذا تبدو كذلك «انتصارات المقاومة»، هنا وهناك، تعبيراً عن حِرَفية عسكرية، عقائدية وسرية، ولا تعكس بالضرورة قوة المجتمع، ولا قوة مؤسساته.